كلمة الدكتورة فاطمة العاني (عضو لجنة حقوق الانسان في الميثاق الوطني العراقي)
المؤتمر الثالث للميثاق الوطني العراقي (1-10-2022)
حقوق الإنسان
بعد تسعة عشر عاما من الاحتلال؛ ما يزال العراق يعيش أسوء انتهاكات حقوقية مرت على العراق؛ بفعل الاحتلال وعمليته السياسية التي أدت إلى تدهور أوضاع العراق في جميع الأصعدة، وهنا نقف اليوم أمام حضراتكم لنعطي نبذة أليمة عن مآسي العراق والعراقيين الذين باتوا في جحيم الاحتلال والأحزاب السياسية التي سيطرت على أرواح العراقيين ومقدراتهم، سلبت منهم كل شيء جميل؛ في ظل العملية السياسية والمحاصصة الطائفية، وسياسة الإقصاء والتهميش، وغياب القانون وسيادة شريعة الغاب. ولذلك الانتهاكات في العراق متعددة ومنها:
أولا: الانتهاكات المتعلقة بتدابير مكافحة الإرهاب:
تستغل القوات الحكومية والميليشيات قانون ما يسمى (مكافحة الإرهاب) لارتكاب أبشع الانتهاكات بحق المدنيين والمدن؛ فتم اعتقال آلاف الأبرياء من المدنيين تعسفا، وتم تهجير عدة مدن وقرى من أرضهم وعقاراتهم قسرا، ومئات حالات القتل خارج القانون رافقت تدابير مكافحة الإرهاب.
ثانيا: التغييب القسري
ملف المغيبين من أبشع الملفات في العراق المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان فالتقارير الدولية أثبتت أن عدد المغيبين في العراق ما بين 250 إلى مليون مغيب، وقد ارتفعت حالات التغييب منذ عام 2014 ارتفاعا مخيفا يكشف حجم المأساة التي يتعرض لها العراقيون. وملف التغييب في غالبه الأكبر هو كان بدوافع طائفية وعنصرية، فمثلا:
في الموصل وحدها تم تغييب وقتل أكثر من (70) ألف شخص، بحسب اعترافات بعض المسؤولين. ومنطقة الرزازة: غُيّب (2600) شخص. وفي الصقلاوية غُيّب: (763) شخصا. والحويجة: (801) وسامراء: (1085). وقضاء الدور (301) شخصا، والقائم: (474) شخصا، وجرف الصخر: (900) شخصا، وبيجي: (554) شخصا، وديالى: (2827) شخصا، وتكريت: (394)، ويثرب: (987) والطوز: (198). والشرقاط (1158)، والضلوعية: (728). والعلم: (268) وسليمان بيك: (1014) والبوعجيل: (306). وهناك 23 ألف مغيب لحد الان لا يعرف مصيرهم.
طبعا الجهات التي غيبتهم معلومة ومعروفة بالأدلة وشهود العيان، لأنه تم اعتقالهم بحجة التدقيق الأمني، ولكن رغم مرور 7 سنوات على تغييبهم إلا أن مصيرهم مجهول إلى يومنا هذا، ولم تحاسب الجهة والأشخاص الذين غيبوهم!.
ثالثا: النازحون داخل العراق:
يوجد الآن (مليون ونصف) نازح في مخيمات النزوح في العراق. وقد وصل عدد النازحين في 2018 و2019 إلى 8 مليون نازح، أما المهجرون خارج البلاد فيبلغ عددهم (5) مليون مهجر تقريبا.
والحكومات في العراق توظف ملف النازحين سياسيا، وبطرق مختلفة، للاستفادة من: جمع المساعدات الدولية لمصلحة الأحزاب المتنفذة، وإلصاق التهم الباطلة بالعائلات النازحة؛ لشيطنة مخيمات النزوح والمهجّرين، تحت ذريعة "الإرهاب"، بدوافع طائفية مقيتة لتحقيق مشاريع تدمير العراق.
هذه الانتهاكات تمارس بتنسيق واضح بين الميليشيات والحكومات لزيادة معاناة النازحين من خلال استمرار استيلاء الميليشيات على أراضي النازحين وتدمير ممتلكاتهم، لمنع عودتهم إلى مناطقهم الأصلية.
أما الذين حاولوا العودة فقد تعرضوا إلى قتل وتغييب وتصفيات طائفية تحت عملية (التدقيق الأمني) التي تشرف عليها الميليشيات؛ وقد تم توثيق تغييب وقتل مئات الشباب، وعثر على مقابر جماعية لبعض المغيبين، قريبة من مخيمات النزوح.
أما محاولة إغلاق المخيّمات بشكل قسري وبقرار حكومي غير إنساني، فهو يهدف إلى إبعاد السكان عن مناطقهم الأصلية.
رابعا: حقوق الأقليات:
الجرائم بحق الأقليات ما زالت مستمرة من قبل الأحزاب الطائفية وميليشياتها في مناطق متعددة، ومنها قضاء سنجار، فحزب العمّال الكردستاني خطف العشرات من الإيزيديات ويرغمهن على الانخراط في صفوف الحزب. يضاف إلى أن ميليشيا (PKK) تستحل قضاء سنجار بالتعاون مع ميليشيا الحشد الشعبي، وهذا انسحب على عدم تأهيل قضاء سنجار، فهناك أكثر من (800) قرية لم يدخلها الإعمار بسبب سيطرة ميليشيا البككا عليها. والسلطات تقف موقف المتفرج.
أما المسيحيون العراقيون فيتعرضون إلى حملة تهجير منظمة منذ عام 2003 في البصرة وكربلاء والنجف؛ وفي بغداد والموصل، حيث تستولي عناصر من الأحزاب السياسية وميليشياتها على ممتلكاتهم وعقاراتهم، بعد أن تم تهديدهم وتهجيرهم قسرا، والأمر يشمل الأقليات الأخرى كالمندائيين وغيرهم؛ خصوصا فيما يتعلق بممارسة شعائرهم الدينية. والسلطات في العراق تقف متفرجة أمام هذه الانتهاكات الصارخة.
خامسا: عقوبة الإعدام:
فالعراق يحتل مركزا متقدما عالميا في تنفيذ إعدامات جماعية، فقد أصدرت السلطات في العراق حكم الإعدام ب(25) ألف شخص، أُعدم خلال الأشهر الأولى من هذه السنة ما يقرب من (50) شخصا بشكل رسمي، أما الإعدامات خارج النطاق الرسمي فكثيرة وكلها إما في السجون، أو في حملات الاعتقالات اليومية، التي تقوم بها الميليشيات من جهة والقوات الحكومية من جهة أخرى. سادسا: التعذيب وسوء المعاملة:
السجون الحكومية مليئة بالمعتقلين وتمارس عليهم أبشع عمليات التعذيب مع أنهم محكومون ويقضون مدة حكمهم بغض النظر عن عدالة الأحكام التي غالبها بدوافع طائفية، ووثقنا تصفيات جسدية لمحكومين أَنهو مدة حكمهم. ومن أبرز محطات التعذيب وأبشعها هي التي تمارس على المتهم أثناء التحقيق لانتزاع الاعترافات الباطلة منه، وأحيانا يمتحن المتهم بشرفه وعرضه أو الاعترافات الباطلة.
سابعا: الاستخدام المفرط للقوة:
استخدمت السلطات الحكومية وميليشياتها القوة المفرطة في حسم الصراعات والمواجهات، فمثلا في المواجهات مع داعش، طلب (حيدر العبادي) رئيس الحكومة حينها من أهل الموصل البقاء في منازلهم ثم بدأت القوات الحكومية بقصف المدينة بشكل عشوائي مستخدمة سياسة الأرض المحروقة؛ مما تسبب بمقتل أكثر من 70 ألف مدني بين طفل وامرأة ورجل؛ ضحيةَ هذه السياسة القذرة.
أما ثورة تشرين فقد وثقنا استخدام القوة المفرطة ضدهم ومقتل أكثر من (800) متظاهر، وتم استخدام القوة المميتة أيضا في الحويجة وصلاح الدين والانبار، وغيرها. إذن نحن نتكلم عن نظام يرتكب جرائم حرب ضد الإنسانية فهو نظام يهدد الأمن والسلم العالمي وهو ما يستوجب إيقافه ومحاسبته بكل الوسائل الممكنة والمشروعة.
ثامنا: استقلال القضاء والمحاكمة العادلة
يصنف العراق من ضمن الدول التي تنعدم فيها العدالة الجنائية ويفتقر إلى المحاكم العادلة؛ لأن قانون الإرهاب يتسم بالتمييز والطائفية وإلصاق تهم الإرهاب تستند على وشاية المخبر السري المجهول حتى أمام المحكمة، وعلى الحملات العسكرية للقوات الحكومية والميليشيات، وانحدر الأمر إلى اعتقال ومحاكمة الأطفال بتهم الإرهاب مع أن أعمارهم لا تتجاوز الـ 9 سنوات، مع أن الأطفال تجب معاملتهم على أنهم ضحايا العنف والإقصاء والتهميش.
تاسعا: الحق في الحرية والأمن:
الإنفلات الأمني وانتشار السلاح المنفلت هو من أبرز صفات النظام السياسي الحالي، خصوصا في المناطق المختلطة أو المتنازع عليها؛ فالسلطات فشلت في تعزيز الحماية والإجراءات الأمنية للمكونات المستَضعَفة في تلك المناطق؛ مما تسبب بوقوع انتهاكات جسيمة ضد المواطنين: مثلما حصل في الطارمية، وخانقين وداقوق والطوز، وناحية السعدية وجلولاء وقرى نهر الإمام، والعامرية والميثاق) وغيرها؛ مما تسبب بنزوح قرى كاملة في بعض المناطق؛ بسبب الإخفاقات الأمنية المتعمدة والتسلط الميليشياوي على المناطق ذات المكون السني تحديدًا. فمثلا تم تهجير 349 عائلة قسرا المقدادية، وفي ناحية جرف الصخر تم تهجير 150 ألف نسمة والميليشيات تستولي على الناحية منذ أكثر من 8 سنوات أمام أنظار السلطات الحكومية.
عاشرا: حرية التعبير:
ما يزال ملف نشطاء المجتمع المدني والمتظاهرين الذين اغتالتهم الميليشيات والقوات الأمنية خلال ثورة تشرين، يواجه الإهمال المتعمد الواضح، فلا إنصاف للضحايا ولا ملاحقة للجناة، وما زالت الأحزاب المتنفذة والمؤسسات الحكومية تعمل على إرهاب النشطاء والصحفيين بالتهديد ومحاولات الاغتيال، وأيضا استخدام القضاء لإسكات الناشطين والصحفيين.
وقد وثقنا اختطاف وتغييب عشرات الناشطين من قبل الميليشيات خلال عام واحد فقط.
الحادي عشر: الممارسات الضارة التي تميز ضد النساء والفتيات
النساء والفتيات هي الفئة الأكبر التي تعرضت للممارسات التعسفية، فيوجد أكثر من 5 آلاف امرأة في السجون بجريرة اتهام أحد أقاربها أو زوجها بالإرهاب؛ وتتم محاكمتها تحت قانون (4) إرهاب سيء الصيت، وتم توثيق عمليات اغتصاب لبعض النساء داخل السجون، وفي عمليات ما تسمى التحرير، تم توثيق حالات اغتصاب عدة من قبل الميليشيات والقوات الأمنية، ولم يحاسب أحد رغم وجود الأدلة الدامغة على ارتكاب الجريمة، وتوجد الآن مئات الآلاف من النازحات والمشردات، ومعيلات للأسر، وهناك زواج القاصرات، والزواج المؤقت، فالمرأة تتعرض في ظل النظام الحالي إلى انتهاكات جسيمة وخطيرة.
وهذه فيض من غيض وإلا فالانتهاكات مستمرة وخطيرة في العراق في ظل غياب القانون وظاهرة الإفلات من العقاب وسيطرة الميليشيات على القرار في العراق. وفي الختام أشكر حسن استماعكم وإتاحة الفرصة لهذا العرض الموجز. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.