الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

تقارير شيء من التراث المدرسة المستنصرية

شيء من التراث

المدرسة المستنصرية

تعد المدرسة المستنصرية التي أنشئت، على يد الخليفة العباسي المستنصر بالله من أقدم الجامعات العربية الإسلامية، والآثار العلمية المهمة التي قامت بتدريس الفقه الإسلامي بحسب المذاهب الإسلامية المعتبرة وخرجت الكثير من العلماء والأدباء الكبار في مختلف المجالات منذ نشأتها، وقد تغيَّر اسمها من المدرسة المستنصرية إلى الجامعة المستنصرية التي كانت تستقبل الطلبة من مختلف الأقطار العربية للدراسة فيها. ولكن توقف هذا مع دخول قوات الاحتلال الأمريكي للعراق.

وتبرز أهمية المدرسة المستنصرية من حيث أنها أول مدرسة جمعت دراسة المذاهب الإسلامية، بعد أن كانت المدارس السابقة تختص بدراسة مذهب معين. وأيضا اهتمت بالوقوف أمام التيارات الفكرية المعادية للإسلام، حتى أصبحت مثالاً يحتذى به؛ فتأسست مدارس عديدة على غرارها.

وكانت مقصد العلماء والأدباء من جميع أنحاء العالم آنذاك فكان لها أثر كبير في الثقافة الإسلامية. وكان يُدّرَس فيها أنواع العلوم فضلا عن علم الحساب والطب وغيرها من العلوم.

وسميت بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسها الخليفة العباسي المستنصر بالله الذي أنشأها في الجانب الشرقي من بغداد على ضفة نهر دجلة، حيث لا تزال قائمة إلى اليوم، وقد شرع المستنصر ببناء المدرسة في سنة 625هـ وتكامل بناؤها سنة 631هـ على مساحة 4836 مترا مربعا على شاطئ نهر دجلة بجانب "قصر الخلافة" بالقرب من المدرسة النظامية.

تتألف المدرسة من طابقين شيدت فيهما مائة غرفة بين كبيرة وصغيرة إضافة إلى الأواوين والقاعات. وتتوسط المدرسة نافورة كبيرة وفي مدخلها ترى الساعة العجيبة التي وردت أوصافها في بعض المراجع العربية حيث كانت الساعة تعمل لإرشاد الناس على أوقات الصلاة كلها بأسلوب علمي فريد ومتطور مما يدل على مدى ما وصل إليه العلماء المسلمون من تطور في ذلك الزمان.

ويزداد جمال بنائها بالرسوم الزخرفية الموجودة على جدران وأروقة المدرسة المستنصرية وخاصة في المسجد في داخلها حيث استغل المعماريون العباسيون الموقع الجيد في إنشاء المسجد وخاصة السقف الذي بني على شكل قبة ومن دون إدخال حديد التسليح في عمله. وقد راعى البناؤون حجم ومساحة الغرف إضافة إلى الشرفات الخارجة من هذه الغرف المطلة على الصحن وأماكن التهوية ودخول الشمس. وأقاموا أيضا سدا من الآجر لإسناد وحماية البناية من فيضان نهر دجلة.

وقد استعملت الزخارف الهندسية بكثرة في بناية المستنصرية، وهي ذات أشكال متنوعة يعتمد معظمها على الدائرة وأقطارها وقد تم تنسيق هذه الأنواع بطريقة تساعد على بسطها في مختلف المساحات والسطوح المعدة لها. وأما الزخارف النباتية الشكل فنجدها في الغالب موضوعة داخل مساحات هندسية كالنجوم والمضلعات وأحيانا تظهر فوق أرضية الكتابات وبين حروفها. وقد أدى التطور المستمر لهذه الزخارف النباتية إلى ظهور نوع من الزخرفة العربية الإسلامية تسمى (أرابسك).

وقد استطاع الفنان الإسلامي أن يرتب تلك العناصر وخاصة في نقوش المدرسة المستنصرية القديمة ترتيبا جديدا مبتكرا وأن يخرجها بتنسيق فني رائع ويضيف عليها الطابع الإسلامي، فكانت هذه الزخرفة ابتكارا إسلاميا أصيلا في أساس تكوينه وفكرته.

وكان للمستنصرية مكتبة علمية متنوعة العلوم، تحتوي على حوالي 450 ألف كتاب فيها الكثير من الكتب النادرة التي تعد كنوزا ومرجعا لطلاب العلم، وقصد مكتبتها الكثير من العلماء واستناروا من كنوز هذه المكتبة العلمية والأدبية وغيرها من العلوم.

الإهمال والدمار الذي تعرضت له المدرسة:

استمرت المستنصرية في العطاءات العلمية والفكرية والأدبية التي جعلت منها صرحا علميا كبيرا ووصلت علومها إلى الكثير من مدن العالم، إلا أن تعرض بغداد لاحتلالات متعددة تسببت في غلق هذا الصرح العلمي الكبير، لعشرات السنين، فتوقفت الدراسة بها وبغيرها من مدارس بغداد؛ بسبب تدمير تيمورلنك لبغداد مرتين الأولى سنة (765 هـ/1392م) والأخرى في سنة (803 هـ/1400م)؛ حيث قضى تيمورلنك على مدارس بغداد ونكل بعلمائها وأخذ معه إلى سمرقند كثيرا من الأدباء والمهندسين والمعماريين، كما هجر بغداد عدد كبير من العلماء إلى مصر والشام وغيرها من البلاد الإسلامية، وفقدت المستنصرية في هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة، وظلت متوقفة بعد غزو تيمورلنك نحو قرنين من الزمن حتى افتتحت للدراسة عام (998 هـ/1589م)، ولكن لم تدم طويلا فعادت وأغلقت أبوابها عام (1048 هـ/1638م)، ومن ثم فتحت مدرسة الآصفية في مكانها، وكانت مدرسة الآصفية من مرافق المدرسة المستنصرية، وجدد عمارتها الوزير داود باشا والي بغداد في عام (1242 هـ/ 1826م)، وسميت بالآصفية نسبة إلى داود باشا الملقب بآصف الزمان.

وتحولت في فترة ما قبل الاحتلال الإنكليزي إلى مقر لدائرة الجمرك، ومكانا لخزن البضائع القادمة من ميناء البصرة عبر نهر دجلة وكان يطلق على المبنى اسم "خان الكمرك" واستمر هذا الحال في زمن الاحتلال الإنكليزي، ثم بعد ذلك انتقلت ملكيتها إلى المديرية العامة للآثار كونها مبنى أثري عريق، ثم تم ترميمها عام 1960 لكن لم يعود التدريس فيها.

على الرغم من تعرض هذا الصرح الأثري العظيم بتاريخه والمليء بالعلوم والعلماء، للعديد من الاحتلالات والإهمال في كل مراحله، إلا أنه بقي صامدا أمام كل هذه الهجمات الغاشمة ضده، على الرغم من استهداف المدرسة وعلماء العراق الممنهج، وما زالت المستنصرية تعاني من الإهمال الكبير، وكل وعود الحكومات المتتالية بعد الاحتلال بصيانتها وجعلها مقصد السياح كانت كاذبة وحبر على ورق. وهو ما يوجب على المعنيين الوطنيين الاهتمام بآثار وتراث وتاريخ العراق العظيم واسترداد القطع الأثرية المسروقة من متاحف أوروبا، وصيانة الأبنية التراثية والاعتزاز بها وفتحها امام السياح.

مقالات متعلقة