سورية بعد فرار الأسد.. نظام حكم وليد أمام تحديات كبيرة
ثائرة أكرم العكيدي /كاتبة وباحثة
مَهد سقوط بشار الأسد ونظامه الديكتاتوري إلى بداية جديدة لسوريا لكن هذه البداية لم تتكشف ملامحها بعد لأن ذلك يعتمد على العديد من العوامل والأطراف منها داخلية وخارجية؛ فأي مستقبل ينتظر سوريا
لن يكون الوضعُ أمام الثوار والمعاضة السورية سهلا، فقد ترك بشار ونظامه بلداً مفككاً مدمرا وملايين المهجرين؛ ويبدو أن هذا السقوط المدوي لنظام البعث وبشار في سورية كان أحد التداعيات غير المقصودة لمعركة طوفان الأقصى في 7 من أكتوبر تشرين الأول 2023. وخلال العام التالي تغيّرت المعايير السابقة في المنطقة مما خلق بيئة شديدة الاضطراب وغير قابلة للتوقع، فباختفاء بشار وسقوطه وخلعه من قبل شعبه تبخرت قوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات العراقية وميليشيات حسن نصر الله التي نكلت بالشعب السوري وشاركت بشار المخلوع في إبادة شعبه؛ وهنا ستأتي التساؤلات حول مستقبل سوريا في الفترة المقبلة، وهل ستحتفظ إيران بنفوذها داخل الأراضي السورية بعد أن كانت تتمتع بهذا النفوذ من أكثر من نصف قرن، ولا شك أن الخاسر الأكبر من سقوط نظام بشار وحزب البعث في سورية هي إيران ومشروعها التوسعي في المنطقة الذي كان يسيطر على سوريا ونظامها البعثي خصوصا بعد مشاركتها في الحرب ضد الشعب السوري على مدار ما يقرب من 14 سنة؛ واستخدم نظام بشار والحرس الثوري الإيراني الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة وحصار المدن وتجويع سكانها والاعتقالات الجماعية والتعذيب والقتل وتهجير نصف سكان البلاد. وهناك أكثر من 100 ألف شخص من المختفين قسراً؛ كل ذلك يشير إلى أن نظام الملالي لا مستقبل له في سوريا الجديدة.
ولكن التساؤل المطروح الآن ماهو نظام الحكم المتوقع في سورية الجديدة وكيف سيكتب السوريون دستورهم الجديد وكيف ستكون علاقة سورية مع جيرانها ، وقبل ذلك كله كيف سواجه السوريون التدخلات الخارجية التي لا يمكن أن تقف متفرجة على الأوضاع في سورية الجديدة من غير تدخل وجعل العراقيل أمام الدولة السورية الجديدة لإيقاف تقدمها واستقلالها الكامل؟ ولعل التحرك الإسرائيلي واحتلال أراض الجولان وتوسعها باتجاه سوريا أحد هذه العقبات التي تحتاج إلى أجوبة وحلولا تشير إلى أن الوضع في سورية لن يكون سهلا وسلسلا أمام نظامها الجديد كيفما كان.
وقد صرح الجولاني سابقا وأرسل رسائل مطمئنة للشعب السوري والأقليات في سورية عندما أكد في مقابلة له مع قناة سي إن إن الإخبارية الأمريكية أنه يسعى إلى بناء مؤسسات دولة تتضمن كافة فئات المجتمع في البلاد. ومما يبعث على الأمل لمستقبل سورية هو عدم وقوع أعمال عنف ضد الأقليات في سورية منذ تحريرها فضلا عن انعدام حالات السرقة وأعمال العنف.
ومما يبدو أن هيئة تحرير الشام تعلمت الكثير من خلال السنوات السابقة ومن خلال إدارتها إدلب المحررة منذ سنوات، بحيث أن أول خطوة تشير إلى وعيها هو أنها تسلمت السلطة من رئيس حكومة بشار تسليما مباشرا وسيطرت على مؤسسات الدولة وبدأت بالعمل على محاولة تشغيل الوزارات وبنائها بناء وفق خطط مدروسة وليس عشوائيا كما فعلت أمريكا باحتلال العراق وتدمير مؤسساته.
وهنا نعود لنؤكد علىأن انهزام ميليشيات إيران وحرسها الثوري من سوريا لم يكن انسحابا تكتيكيا كما يعظن البعض، وإنما يمكن أن نقول إن التواجد الإيراني على الأراضي السورية انتهى إلى الأبد ومشروع الهلال الإيراني تم بتره وتمزيق أوصاله.
أما بخصوص الموقف الإسرائيلي فبما ان إسرائيل لديها أهداف معلنة فيما يتعلق بضم الجولان وأن الرئيس الأميركي اعترف بضم إسرائيل للجولان كاملا وليس جزءا منه.
فهذا الأمر يجعل العاصمة السورية دمشق مهددة إسرائيليا للأبد وأن التصريحات الإسرائيلية بوصف هذا التوغل احتلالا مؤقتا غير صحيحة، وخلال أيام سيكون هذا الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية ثابتا وبعد سنوات سيتحول إلى احتلال دائم ونهائي للأرض السورية مما سيخلق مشكلة كبيرة أمام النظام السوري الجديد الذي يحاول أن يتعافى من آثار دمار الدولة السورية خلال حكم بشار.
اللاعبون الدوليون في الساحة لهم دور مهم للغاية في تحديد مستقبل سوريا وابرزهم تركيا التي يرجح أن تكتسب نفوذاً كبيراً، بسبب استقبالها للمهاجرين السوريين وفتحها الأبواب أمامهم على مدار أكثر من عقد من الزمن، كما أن هناك تحديات تواجه أنقرة وتتمثل في الصراع المحتمل مع الأكراد وجهود اللامركزية التي تبذلها هيئة تحرير الشام.
ستكون الدول المجاورة بما في ذلك إسرائيل والأردن ولبنان، حذرة أيضاً وكذلك دول الخليج التي أعادت التعامل مع الأسد في السنوات الأخيرة وتنظر إلى الحركات الإسلامية على أنها قوى مزعزعة للاستقرار.
ستندرج العلاقة مع هذه الدول، وفق مصالحها وسياستها المعروفة. دول ستمثّل خطراً على استقرار سوريا الجديدة، تخشى أن تصبح قطباً يهددها. ودول ستعمل على دعم استقرار الحكمِ الشامي الجديد لتعديل كفة ميزان القوى الذي كانَ يميل لصالح إيران، وهي تعتقد أن هذا التغيير في دمشق لمصلحة استقرار المنطقة.
التحدي الرئيسي أمام سوريا بعد الإطاحة أخيراً بنظام بشار يكمن في قدرتها على تجنب الفخاخ والكوارث التي أصابت دولاً أخرى عقب سقوط أنظمتها الاستبدادية والبدء في العملية الشاقة لإعادة الإعمار وتحقيق المصالحة الوطنية.
مع تعدد الفاعلين وتضارب المصالح يبقى مستقبل سوريا معلقاً بين تطلعات الشعب للتغيير ومعضلات التعامل مع القوى الإقليمية والدولية.
بالإضافة إلى خطر الاشتباكات بين المتمردين ستكون هناك مخاوف من أن داعش التي سيطرت ذات يوم على أجزاء كبيرة من شمال وشمال شرق سوريا ستسعى إلى استغلال االتحولات الجديدة والعودة إلى زعزعة الاستقرار. يضاف إلى ذلك فلول نظام بشار الذين هربوا إلى العراق ومن المتوقع أن العراق سيكون قاعدة لهؤلاء في عدم استقرار سورية خصوصا أن إيران تريد الانتقام من الشعب السوري الذي مزق مشروعها التوسعي في المنطقة.
بعد أكثر من عام من الصراع المستمر في الشرق الأوسط سيظل السقوط المفاجئ لنظام الرئيس السوري بشار الأسد محفوراً في تاريخ المنطقة كواحد من أعظم الصدمات التي شهدتها المنطقة.
مصلحة سوريا والمنطقة تقتضي تشكيل نظام إقليمي جديد يخفض حالة التوتر الخطيرة، وينهي حالة الاستقطاب الحادة التي شارك فيها نظام الأسد وتسببت في نهايته. يمكن أن تكون سياسة التصالح هي بوليصة التأمين للنظام الوليد. وهو ما تحدث به أحمد الشرع وأثار انتباهنا جميعاً، في رسالته المتلفزة لرئيس حكومة بغداد قائلاً: إن سوريا لن تكون عدوة لبلاده، وإنَّه يمد يده لعلاقة ود واحترام.
سوريا خرجت للتو من حقبة ستين عاماً وأمامها قضايا عديدة داخلياً وخارجياً. الدولة الوليدة ستحتاج إلى المال والنصيحة والصبر عليها. ستحتاج من شقيقاتها العربية والصديقة إلى الدعم الإنساني وليس فقط المساندة السياسية.