الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

تقارير أزمة الطاقة العراقية وموقف إيران منها


لم تترك إيران أي وسيلة لاستنزاف موارد العراق إلا واستخدمتها باحترافية نتيجة الرضوخ الذي ترتضيه الكتل السياسية والحكومات المتعاقبة التي تحكم العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003.

إذ يعتمد العراق ومنذ سنوات طويلة على الغاز والكهرباء الإيراني في إمداد الشبكة الكهربائية الوطنية العراقية بالكهرباء في ظل عجز حكومي وتواطئ على عدم إنتاج العراق للغاز أو شراءه من دول أخرى بأسعار أقل بكثير من إيران.

في الأسطر التالية، تكشف جريدة “البصائر” للقراء عن الطرق التي تستخدمها إيران في تكبيل العراق واستنزاف موارده لجعله رهينة للطاقة الإيرانية.

تواطئ حكومي مستمر

في بداية شهر نيسان/ أبريل الجاري، كشف وزير الكهرباء السابق “قاسم الفهداوي” في حديثه لإحدى وسائل الإعلام عن فضيحة من العيار الثقيل حدثت خلال توليه منصب الوزارة.

وأشار الفهداوي إلى أنه عندما أعيد فرض العقوبات الأمريكية على قطاع الطاقة الإيرانية بعد انهيار الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، فإن الحكومة الأمريكية أبلغت العراق بضرورة البحث والتنسيق لأجل شراء الغاز الطبيعي من دول أخرى غير إيران.

“العراق يستورد كهرباء إيرانيا سنويا بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار، فضلا عن استيراد العراق قرابة الـ 154 مليون متر مكعب من الغاز سنويا لأجل توريد العراق للكهرباء”

ويكشف الفهدواي الذي تولى الوزارة بين عامي 2014 و2018 عن أن الحكومة في حينها تلقت عرضا من الممكلة العربية السعودية بتوفير الغاز الذي تحتاجه بغداد وبأسعار أقل من الأسعار العالمية وأقل بكثير من الأسعار الإيرانية.

وأضاف الفهداوي أن السعودية أكدت للعراق على أن أول دفعة من الغاز ستصل العراق في أقل من 24 ساعة عبر دولة الكويت، فضلا عن كمية أخرى تصل العراق خلال 6 أيام من تاريخ تقديم العرض، لافتا إلى أن المملكة عرضت إرسال فريق مختص من شركة أرامكوا النفطية السعودية لاستخراج الغاز العراقي وبيعه بـ 7 دولارات ونصف سنت فقط.

ومع دوي هذه الفضيحة، يكشف الخبير فيالمجال النفطي “علاء باسم” في حديثه لجريدة “البصائر” أن الاتفاق بين العراق والسعودية ألغي قبل 24 ساعة من إتمامه، إذ أبلغ العراق السعودية برفضهم العرض.

ولفت باسم أن الرفض العراقي للعرض السعودي بعد موافقة بغداد عليه أول الأمر جاء بعد زيارة سرية قام بها قائد فيلق القدس الإيراني في حينها “قاسم سليماني”، وأن بغداد رضخت للضغوط وواصلت استيراد الغاز والكهرباء من إيران.

ويضيف باسم أنه وعلى الرغم من إعلان العراق مطلع عام 2019 عن عقد صفقة لإنتاج 100 مليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي من جنوب العراق بالتعاون مع شركتي إكسون موبيل وبتروتشاينا، إلا أن الواقع أن العراق استمر في شراء الغاز الإيراني من خلال ابتداع منفذ مالي يتيح مواصلة شراء الكهرباء والغاز والالتفاف على العقوبات الأمريكية، في خطوة شبيهة للآلية الأوروبية للتعامل الاقتصادي مع إيران المعروفة بالإنستيكس، بحسبه.

ويختتم باسم حديثه لـ “البصائر” بالإشارة إلى أن العراق يشتري من إيران ما يصل إلى 28 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، فضلا عن (1400- 2000) ميغاواط يتم شراؤها من إيران وفقا للإتفاق والوفرة الكهربائية الإيرانية، موضحا أن العقد بين إيران والعراق يعطي الأفضلية لإيران في أنه وفي حال حصول عجز كهربائي داخل إيران، فإن الأخيرة ستوقف توريد الكهرباء للعراق على الفور من دون الاضطرار لإعلامه مسبقا، بحسبه.

خسائر كبيرة للعراق

يتكبد العراق سنويا مبالغ هائلة تصل لمليارات الدولارات نتيجة الاستنزاف الإيراني لموارد الطاقة وتصديرها الغاز والكهرباء، فضلا عن تخاذل الحكومات العراقية في تقويم صناعة الغاز والاعتماد على الغاز المنتج محليا.

ففي تقرير نشره معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في حزيران/ يونيو 2019، أشار إلى طبيعة صفقات الطاقة بين العراق وإيران، فضلا عن الكميات التي يستوردها العراق من الكهرباء والغاز الطبيعي وكميات الغاز المهدورة في البلاد.

التقرير الذي أعده الباحث “مايكل نايتس” وباحثين آخرين أكد على أن عمليات نقل الطاقة بين إيران والعراق تعد مصدراً للعملة الصعبة التي تحتاجها إيران بشدة بسببالعقوبات الأمريكية.

“تعمل الميليشيات المرتبطة بإيران على عرقلة عمل شركات الطاقة في العراق لأجل إبقاء العراق رهينة موارد الطاقة الإيرانية”

ويشير التقرير إلى أن العراق يستورد كهرباء إيرانيا سنويا بتكلفة تصل إلى 1.2 مليار دولار، فضلا عن استيراد العراق قرابة الـ 154 مليون متر مكعب من الغاز سنويا لأجل توريد العراق للكهرباء بطاقة تقدر بـ 4 آلاف ميغا واط.

وعن الخسائر التي يتكبدها العراق نتيجة إهدار الحكومة للغاز العراقي الذي يحرق في الهواء، يؤكد التقرير على أن قيمة ما يحرق من غاز داخل العراق يقدر بنحو 2.5 مليار دولار سنويا، بما يعادل 1.55 مليار متر مكعب من الغاز.

وعن أسعار الغاز الإيراني المورد للعراق، يشير الخبير الاقتصادي “وائل الدليمي” في حديثه لجريدة “البصائر” إنه ووفقا لشركة BP فإن العراق يشتري الغاز الإيراني بسعر يزيد عن 11 دولارا لكل ألف قدم مكعب، مقارنة بـ 5.5 دولارات وهي تكلفة الغاز الروسي الذي تشتريه ألمانيا، رغم بعد المسافة بين البلدين الاخيرين.

ويكشف الدليمي أن الميليشيات المرتبطة بإيران ومن خلال الهجمات التي طالت القواعد الأمريكية وما صاحب ذلك من توتر سياسي بين بغداد وواشنطن والأزمة السياسية داخل العراق وتفشي فيروس كورونا، كل ذلك أدى إلى تعطل تقليص التبذير لموارد العراق الطبيعية الهائلة من الغاز، لو أن العراق نفذ العقد مع شركات الطاقة الأجنبية التي كانت ستقلص تبديد العراق لغازه لما يقرب من 20%.

ومضى الدليمي في حديثه مؤكدا على أن شركة (هانيويل) وبالشراكة مع شركة (بكتل) وشركة غاز الجنوب الحكومية، فإنه كان من المفترض أن يبنوا محطة أرطاوي للغاز التي ستعالج في مرحلة أولية ما يصل إلى 300 مليون قدم مكعب قياسي يوميا من الغاز المصاحب لاستخراج النفط في 5 حقول نفطية جنوب العراق.

ليس هذا فحسب، إذ تعمل الميليشيات المرتبطة بإيران على عرقلة عمل شركات الطاقة في العراق لأجل إبقاء العراق رهينة موارد الطاقة الإيرانية، إذ يشير الخبير الأمني “حسن العبيدي” في حديثه لجريدة “البصائر” إلى أن الهجمات التي تشنها الميليشيات على الشركات الأجنبية العاملة في العراق والتي تعمل في مجال الطاقة تبغي عرقلة عملها بالدرجة الأولى وزيادة قيمة التأمين على عملها ما قد يدفعها لمغادرة البلاد في حال ساءت الأحوال الأمنية أكثر.

“استنزاف إيراني للموارد العراقية وسعي إيراني حثيث لمنع العراق من بناء أي منشآت غازية أو كهربائية تغنيه عن الطاقة الإيرانية”

ويمضي العبيدي بالقول: “خلال أقل من أسبوع تعرضت شركتين أجنبيتين تعملان في مجال الطاقة لاستهداف بصواريخ الكاتيوشا، وهما شركتا هاليبيرتون الأمريكية في البصرة وشركة صينية استهدفت الميليشيات مقرها الإداري في منطقة النهروان جنوبي بغداد”.

وألمح العبيدي إلى أنه وبعد زيادة الضغوط الأمريكية على إيران اقتصاديا وفي ظل انهيار أسعار النفط، فإن إيران ستسعى بصورة أكثر دراماتيكية للعمل من أجل عرقلة أي مشروع طاقة في العراق يتعلق باستخراج الغاز أو بمشاريع تتعلق بانتاج الطاقة الكهربائية في البلاد.

ويختتم العبيدي حديثه لـ “البصائر” معلقا بالقول: “كل الاحتمالات واردة، فالعراق مقبل على انهيار اقتصادي، وبالتأكيد ستتسبب الأزمة بموجة تظاهرات عارمة، ستغذيها بكل تأكيد موجات الحر الشديدة في فصل الصيف والتي يشهدها جنوب العراق على وجه الخصوص”، بحسب قوله.

هو استنزاف إيراني للموارد العراقية وسعي إيراني حثيث لمنع العراق من بناء أي منشآت غازية أو كهربائية تغنيه عن الطاقة الإيرانية ومواردها، في ظل تواطئ يبدو أنه مستمر في ظل تخاذل الحكومات المتعاقبة والكتل السياسية في البلاد عن تفضيل المصلحة الوطنية على الإيرانية

مقالات متعلقة