بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
هناك إعلاميون يعترفون للكل بحق حرية الضمير ويحترمون الحرية الدينية للجميع ففي بلدهم. لكن ما أن يلاحظوا أن سائر الجماعات تتصرف بطريقة مختلفة ويخضعون لمضايقات عديدة؛ يتساءلون إذا كان يجب بحسب مبدأ المعادلة بالمثل اختزال أو تقلص حجم الحرية الدينية؛ ومن هنا ينقادون لتبنى موقف عملي لم يعد يتناسب مع مبادئ نظامهم الديمقراطي. ويصبحون غير أوفياء لقناعاتهم الخاصة بالتسامح وإرساء مبادئ العيش المشترك المثمر للجميع.
في الحقيقة رغم الخصومة الظاهرية بين الدين ووسائل الإعلام قدمت الدراسات الكثير من الدلائل على أن الدين ووسائل الإعلام يحتلان نفس المكانة والمساحة في الحياة المعاصرة، وهما يتلاقيان، وبالطبع لا يتلاقيان كليا! فبينهما الكثير من النقاط العامة المشتركة التي لها معنى. ودعونا ننظر إلى الخطوط العامة لهذا التقارب، ولكن في أول الأمر نلفت نظر القارئ إلى أنني سأستعمل هنا المفهوم الواسع لكلا من الدين ووسائل الإعلام، وسأبدأ مع العالم الواسع لوسائل الإعلام، فكما نعرف جميعا أنها تتميز بالتنوع، وفى الوقت نفسه ملكيتها لأفراد ومؤسسات معينة، مع زيادة مفرطة في المصادر والخدمات الإعلامية، وأصبحت الهيمنة اليومية للصحافة والإذاعة؛ ويتشارك معها إعلام الكيبل والقنوات الفضائية، والفيديو المنزلي، وألعاب القرص المدمج التفاعلية، والمجلات المتخصصة، والكتب، وبالطبع الإنترنت والويب. وعندما تصل هذه التشكيلة من وسائل الإعلام لمنزل الأسرة يلعب أفراد الأسرة دور حارس البوابة لحماية الوسيلة المفضلة لديهم، وبالتالي سيتكيف السوق التجاري الإعلامي مع تلك الاتجاهات المفضلة.
وسائل الإعلام اليوم أشبه بالأسواق، وتحديدا بالأسواق الرخيصة للبضائع المستعملة أكثر من كونها شارع رئيسي أو مخزن كبير، وحتى قيود وموانع الوصول لتلك الوسائل تغيرت أيضا، لدرجة أصبحت البيوت اليوم يدخلها تنوع واسع من الرموز والخدمات الإعلامية المختلفة، ومجموعة كبيرة من تلك الرموز والخدمات لها شكل ومعنى ديني مباشر وظاهر وأحيانا مستتر. هذا عن السمات العامة لوسائل الإعلام اليوم، فماذا عن الدين.
العالم اليوم يهتم بالمسألة الدينية مهما اختلفت معتقدات الشعوب وتعددت ومهما همش الدين أو أودع طي الإهمال أو النكران؛ ففي كل وسائل الإعلام اليوم تجرى تغطية الحدث الدينيّ ويتم تداول الخبر المتعلق به ونقله، وتعصف معه أسئلة كثيرة.. هل توجد بين الدين والإعلام علاقة جدلية؟ هل يشكل اللقاء بينهما مجازفة أو فرصة؟ ما هو تأثير الإعلام في التجربة الدينية والوعى الاجتماعي؟ وما تأثير الدين في التجربة الإعلامية؟ ما دور الإعلام في تغطية الحدث الديني، وما دوره في نشر ثقافة الحرية الدينية التي هي ليست منحة من أحد بل هي حق جوهري من حقوق الإنسان، فكل شخص له أن يمارس حرية الحق في المعتقد وفى التعبير عن دينه وإيمانه على الصعيدين العام والخاص ودولة الدستور والقانون تضمن له ذلك.
يجد ذكر الإشارة إلى خطر الاستخدام الاستغلالي للحرية الدينية من قبل وسائل الإعلام عن طريق التحريض الطائفي والفئوي أو الاستفزاز غير المنضبط، وكلا الموقفين يدلان على افتقار للموضوعية والمصداقية وقراءة للحدث الديني من منظور شخصي يسقط فيه الإعلامي أحكامه المسبقة على الخبر الديني أو الخبر السياسي المغلف بالدين والدين منه براء.
واليوم نحاول رصد الاتجاهات المميزة لظاهرة الدين في الوقت المعاصر، وكما أظهرت الدراسات أن تلك الاتجاهات تتركز في انتشار الحركات الأصولية الدينية في كل الأديان، ظهور الديانات التوفيقية نتيجة الهجرة والعولمة، وهى عبارة عن الدين الأصلي الذى يحمله المهاجر معه، لوطنه الجديدة، حيث يتكيف ويتوافق مع الظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية لوطنه الجديد، وهى ظاهرة تسمى بالأديان الجديدة أو ما أطلق عليها عالم الاجتماع البارز مصطلح الدين الانتقالي واتسم أيضا الدين المعاصر بتقلص وضعف السلطة والشرعية للمؤسسات الدينية وتعرضها للنقد المتزايد، علاوة على ظاهرة زيادة التقييم والحكم الذاتي الفردي في أمور الإيمان. وترى تلك الدراسات أن هذه الاتجاهات من الممارسات التي يتسم بها الدين المعاصر تدرك وتفهم الدين كسوق كبير من الرموز والقيم، بل إن الدين نفسه أصبح أكثر وأكثر نوعا من السلع، ولنا أن ننظر حولنا سيول من الكتب وشرائط الكاسيت، والأسطوانات المدمجة وبرامج الكمبيوتر، والأناشيد، وبرامج الفيديو التي تسوق الدين، غير ألعاب الأطفال والملابس، مستلزمات الحجاب والحج والعمرة، مستلزمات الموالد والمهرجانات والاحتفالات والأعياد الدينية، والسلع المنزلية بطاقات بريدية، أيقونات، كلها محملة برموز دينية للتسويق.
والنقطة الأهم أن الكيانات الدينية في الحياة المعاصرة قد تحركت بعيدا عن الأطر والأجواء المحمية من قبل التقاليد والمؤسسات الدينية، ودخلت سوقا مفتوحة من الرموز الدينية. وهذا يعنى ببساطة أن الدين أصبح موجودا في المجال الإعلامي أكثر من أي وقت مضى، فالحروب في البوسنة وأفغانستان والعراق، وانتشار الأصولية وما يصاحبها من إرهاب، وهجمات 11 سبتمبر، الفضائح الجنسية في المؤسسات الدينية.. وظهور تنظيم داعش ..كلها ظواهر إعلامية علاوة على أنها ظواهر دينية.. وإذا كان الدين يمثل مجموع الخصائص الثقافية بالكامل للجمهور، ومع ظهور وسائل الإعلام كسياق ثقافي فريد، فإن ذلك يعنى أن التدين المفرط الخاص أصبح تدين مفرط عام، وتوجهات السوق وتوجهات الأفراد الباحثين عن الدين تصبح ديانة عامة من خلال وفى وسائل الإعلام. فهل هذا يعنى أن الحدود بين الدين ووسائل الإعلام قد تحطمت، هل في استطاعة المؤسسات الدينية إنتاج رسائل للتأثير على عالم العلمانية بدون وسائل الإعلام العلمانية؟ هل ـصبح في عصر الإعلام وثورة الاتصالات والمعلومات العلماني مقدس، والمقدس علماني؟! هل هذا يعنى أن الدين في هذا العصر أصبح يتمثل بنوع جديد من المؤسسات مركزة في الأسرة، والمجتمعات المحلية المتخلية في وسائل الإعلام مثل الكيانات الدينية الافتراضية على الإنترنت أكثر من اعتماده على المؤسسات التقليدية مثل الكنيسة أو المسجد.. كمثال الصحافة الدينية في عصور سابقة كانت عندما تغطى إعلاميا أحداث المؤسسات الدينية، كأنها غطت أحداث الدين ويعتبر ذلك ميزة وسبقا إعلاميا لها، لكن اليوم عندما تقوم بنفس العمل فهي تلعب دورا في الفهم الديني، لأنها تجد نفسها الآن تعمل ضمن مدى واسع جدا من المصادر والوسائل الإعلامية، وكان الدين يظهر في وسائل الإعلام العلمانية في بعض الأوقات المحددة وفى بعض الأماكن، اليوم في سوق التدين، الدين يظهر في كل الأوقات، وفى كل الأماكن. واليوم المؤسسات الدينية مطالبة أن يكون لها علاقات عامة مع أجهزة الإعلام، ومطالبة ان تكون موجودة في وسائل الإعلام.
التربية على اكتساب الحرية الشخصية مع احترام حرية الآخر لا تزيل الهوية الخاصة لجماعة دينية؛ لأن الهوية الدينية يمكن أن تحدد إزاء الآخرين لكن لا تحدَد ضد الآخرين، فتؤدي إلى إقصائهم ومحاربتهم ومن ثم إلغائهم. إن حرية الضمير والحرية الدينية تفترضان حق الأشخاص والجماعات أن يكونوا مختلفين، دون التعرض لخطر الإقصاء من الحياة أو من الوطن.
فمن الصعب ممارسة الدين والتعبير عنه بحرية في بعض المناطق في العالم إلا وتتعرض الحياة والحرية الشخصية للخطر أو التعرض لأحكام مسبقة والرموز الدينية وكثيرون يتعرضونه يوميا إلى الإهانات ويعيشون وسط مخاوف بسبب بحثهم عن الحقيقة ونداءاتهم للإقرار بالحرية الدينية.
خصوصية الشخص الإنساني تجد تعبيره في الحرية الدينية التي يستمد جذورها في كرامة الإنسان الذى خلقه الله. وبهذا فإن كل شخص صاحب حق مقدس في حياة كاملة. بدون الإقرار بكياننا الروحيّ وبدون الانفتاح، ينغلق الإنسان على نفسه ويصبح عاجزا عن إيجاد أجوبة عن تساؤلات قلبه حول معنى الحياة وعن اكتساب قيم ومبادئ أخلاقية ثابتة إلى حد عدم القدرة على اختبار حرية أصيلة في مجتمع عادل.
ولأنها حق جوهري مرتبط بحق التعبير ولأن وسائل الإعلام هي وسائل تعبير، ارتبطت الحرية الدينية بحرية الإعلام ووجدت فيه وسيلة تواصل واتصال، وعليه يتوقع من الإعلام أن يروج لثقافة الحرية الدينية خاصة في الأحداث الراهنة التي تؤجج بعض الجماعات المتطرفة نيران الفتن في بعض بلاد الشرق الأوسط بشكل عام والبعض من البلدان العربية بشكل خاص..
من الصعب جداً تحرير وسائط الإعلام والاتصال الجديدة من المؤثرات الإيديولوجيّة، لكونها أولاً وأخيراً مجرّد آليات لحمل مضمون الرسالة الموجّهة من خلالها. ولكن يمكن فرض ضوابط أخلاقيَّة وقيمية لتهذيب الرسالة، والتقليل من مضاعفاتها الجانبيّة... مع التأكيد بطبيعة الحال على أنَّه ليست هناك عمليَّة إعلاميّة مستقلَّة ومتحرِّرة من إكراهات الواقع والتاريخ والثقافة، أو متعالية عن المصالح المادية والمعنويّة. وبذلك لا يكاد يوجد عمل إعلاميّ يؤدّي دوره دون أن ينطلق من إطارٍ عقديٍّ أو رؤيةٍ مذهبية؛ لأنّ كل عمل إعلاميّ يقوم بالتعبير عن معتقدات المجتمع الذي ينشط فيه وينتمي إلى بنائه الاجتماعي والثقافي، كما يروج لقيمه حين يرمي إلى تشكيل اتِّجاهات الجماهير وتوجيه نظرتهم.
ونتيجة لذلك أضحى الدين في ظل الميديولوجيا أي في ظل تقنيات الإعلام والاتصال والإعلان والانتشار الواسع واللامحدود للأفكار والرؤى والرموز المسموعة والمرئية والمذاهب والمناهج وطرق التدبير الإنسانيّ للأشياء، معطى ضروريا للحضارات، وهوية تتنافس وتتصارع من أجل احتلال مكانتها البارزة في التوجيه والتأثير والتشكيل الذهني والسلوكي للإنسان والمجتمع والدولة ..