الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات وادي الرافدين "يتقلص"

بقلم| وليد الزبيدي

(عضو اللجنة العليا للميثاق)

يخشى المرء من بلوغ مرحلة نستخدم فيها كلمة "وادي الرافدين يتلاشى" بعد أن بدأ بالتقلص فعلا، و المعنى لا يمكن في تاريخ وادي الرافدين وجذوره الممتدة في الوجدان، وما يمثله من رمزية في مشاعر العراقيين الذين طالما تفاخروا بهذا الاسم الذي يعني الكثير لهم، فقد انبثقت أولى الحروف من على ضفاف الرافدين في العصر السومري، و منذ ذلك الوقت حيث تحقق المنجز العلمي و المعرفي الأول في تاريخ البشرية وهذا الاسم يحمل الكثير و يعني الكثير في الوجدان الجمعي.

فقد كانت أولى الحروف المرتكز الأول للحضارة، و لأن المدينة بدأت خطواتها وملامحها من على ضفاف الأنهار، فقد كان لوادي الرافدين ذلك الصدى العميق والواسع عبر التاريخ، فالماء يعني الحياة و يعني الرخاء حيث تمتد السهول وترتقي الشعوب بما تنتجه من حبوب تمد العيش بأهم مرتكزاته، ومن هنا فقد تكونت الصورة العامة والدقيقة لوادي الرافدين من نهرين عملاقين، هما دجلة و الفرات، وما بينهما و على ضفافهما تجلس الأرض الخصبة المعطاء، و يتكامل الماء و الأرض وما ينبت فوقها وما يعطي بعد ذلك من دفق حياتي وعطر وبيئة وإحساس بالجمال والطمأنينة.

ثنائية دجلة والفرات وصورة وادي الرافدين بسهوله المعطاءة شكّل لوحة عراقية ضاربة في القدم، ولهذه الأرض طالما دأبت الأقوام والشعوب على الحج إليها، فالقوافل تأتي من سواحل عُمان والجزيرة العربية وغيرها للتزود بمؤن الصيف وقوافل أخرى تتزود بمؤن الشتاء، نخيل وادي الرافدين تغذي الملايين وسهوله تمنح الحياة الحبوب ومن أهمها الحنطة والشعير وسواها.

وطالما أغرى وادي الرافدين بأنهاره وسهوله وما أنتجته شعوبه من معرفة الكثير من المؤرخين والعلماء والرحالة لزيارة هذه البقعة، التي نبع منها سلاح الكتابة وبعد ذلك أسس القوانين التي شرعها حمورابي وحزم من العلوم والمعارف، وطالما عبّر الفلاسفة والكتاب ومنذ قديم الزمان عن انبهارهم بشعب وادي الرافدين.

ثنائية غريبة تنتاب العراقيين، وهواجس قد تزداد قوتها ويتسع وقعها وتأثيرها في حال ادركوا حقيقة أن "يتقلص وادي الرافدين" وفي حال سيطر هذا التقلص وازداد شراسة، فإن الخشية المخيفة أن تهيمن كلمة أخرى تكمل بطبيعتها هذا الواقع ونصل إلى "التلاشي"، هذه الثنائية لا تقتصر على الجانب المعنوي وما يسيطر من مشاعر وما يتركه من حزن عميق، بل يتعداه إلى صورة الحياة الجمعية بعالمها النابض الذي سرعان ما يتحول إلى عالم بؤس وشقاء، والمخيف في كل ذلك ما تقدمه الصور الكثيرة التي نشاهدها يوميا، حيث مشاهد الجفاف وما يتبعها من تصحر، وتراجع الثروة الحيوانية واضطرار الطيور للهجرة واختفاء الثورة السمكية.

المعضلة الكبرى أننا نشاهد زحف عوالم ومظاهر "التلاشي" ولا نلمس علاجا لهذا الداء الكارثي.

مقالات متعلقة