الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات سجون أم معسكرات اعتقال نازية

بقلم| د. فاطمه العاني (وعضو اللجنة العليا في الميثاق)

ليس كلام لمجرد إضاعة الوقت في المقاهي كما يقولون, بل هي حقائق موثقة عن أوضاع السجون في العراق.

السجون بمبانيها بنزلائها أصبحت مكانا للموت البطيء, مكانا ضاع نزلاؤه بين غياهب الحرمان والإهمال وبين التيه بين صنوف التعذيب وصولا إلى الوقوع في شرك مختلف الأمراض والتي تصل بالنزلاء إلى واحدة من اثنتين: إما القضاء بسبب الأمراض أو الإعدام, فلا وجود لأبواب الشكوى أو إطلاق السراح أو النجاة.

لقد نسي نزلاء السجون آداميتهم, فقط يتذكرونها عندما يأتي السجان ويفتح الباب ليقرأ أسماء بعض السجناء طالبا منهم التوجه للاستفسار, والتي تعني واحدة من اثنتين إما عقوبة الإعدام أو عقوبة الترهيب. هذه حقائق, يشيب لها الولدان.

من في السجون ليسوا بشرا, هذه هي طريقة سلطات السجون في التعامل مع النزلاء, فقدان للحق في الحصول على أكل بشري, ماء كافي, ففي أحسن الأحول يحصل النزيل على نصف لتر أو أقل من الماء يوميا, اكتظاظ عجيب في الزنزانات, الزنزانة أبعادها بين مترين ومترين ونصف يسكنها ثمانية أشخاص. التعرض للشمس نادر أيضا في بلد مشمس مثل العراق. أما الملابس فإن الصفة المميزة لها هي أنها رثة وبالية ويتم تحوير بعض قطع الملابس إلى أشكال ثانية لتسد احتياجات السجناء, الأفرشة والأغطية النظيفة هي حلم لكل نزيل, أتصور الآن كيف كانت وقع الصدمة على أعضاء الصليب الأحمر الدولية عندما قاموا بزيارة إحدى السجون المعروفة وتفاجأوا بمنظر السجناء بملابسهم الرثة البالية. نعم يستطيع النزلاء شراء احتياجاتهم من حانوت السجن, ولكن بأي أسعار, الأسعار غالية ولا يستطيع الكثير شراء احتياجاتهم وهم يعتاشون على الصدقة من زملائهم في الزنزانات. وإذا اكتشف السجانون أن النزلاء يحاولون تحضير طعامهم داخل الزنزانة فإنه يتم معاقبة النزلاء وتعذيبهم وتحطيم ومصادرة أدوات الطبخ.

أما المصيبة الكبرى فهي ليست في الأكل والمشرب, ولكن في الأمان داخل السجون, فالنزلاء لا يأمنون على أنفسهم من الترهيب والتعذيب عندما يقدمون الشكاوي عن أوضاعهم السيئة, ولا يسلمون من التهديد والعقاب إذا طالبوا بحقهم في إعادة المحاكمات. المحكومون بالإعدام يتم تنفيذ الأحكام فيهم في أي وقت كان! وهناك أدلة على التنفيذ دون المصادقة على الحكم, بل إذا تجرأ أحد النزلاء على الشكوى لأحدى المنظمات ووصل ذلك إلى مسامع الحكومة فالنتيجة هي تسريع الحكم. لم ننته بعد, العصابات والمافيات التي تتاجر بالسجناء أصبحت حديث الناس, وتنتشر مقاطع مصورة للمسؤولين داخل السجون وهم يفرضون الإتاوات على النزلاء حتى يأمنوا على حياتهم, فأين المفر؟ إضافة إلى ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي من انتشار لمافيات الإتجار بالبشر في السجون. الرعاية الطبية تقريبا معدومة, ولا يوجد إلا دواء تسكين آلم الأسنان, والمرضى المصابين بأمراض خطيرة يعانون أشد المعاناة, أحد المرضى تم إجراء عملية لإزالة ورم سرطاني ومن ثم قامت سلطات السجن بإلقاء السجين بين زملائه في الزنزانة بعد إخراجه من المستشفى لكي يعاني أشد المعاناة, ومن يعتني به سوى زملائه. والبعض يموتون بين زملائهم في الزنزانة دون التفات من سلطات السجن , بل تحاول السلطات أن تبرر ما يحدث. وفي أحيان أخرى تترك جثث الموتى تحت الشمس دون مراعاة حتى حق الميت, والكثير الكثير مما يدمي القلب ألما. ولمن لا يعلم فإن ذوي المحكوم عليهم بالإعدام لا يتم إبلاغهم بموعد تنفيذ الحكم بل يتفاجؤون بأن عليهم أن يذهبوا لاستلام الجثة من الطب العدلي, وفي أحسن الأحوال يسمحون للنزيل بالتحدث إلى أهله عبر الهاتف قبل يوم من تنفيذ الحكم ولكن لا يسمح له أن يخبرهم بأن الحكم سوف يتم تنفيذه. واستلام الجثث أيضا من الأمور الصعبة والتي تحتاج إلى وساطة المنظمات الحقوقية. وبعد كل ذلك لا تسمح القوات الأمنية لذوي الضحايا من إقامة العزاء, ويتركون الناس تغلي ألما وغضبا.

وبالطبع فإن ذوي النزلاء لا يستطيعون إدخال الاحتياجات الضرورية من ملابس وأدوية, لعدم السماح لهم, بل تسمح لهم سلطات السجون بإرسال النقود فقط التي لا تصل في بعض الأحيان, لكي يشتري النزلاء من حانوت السجن الذي تغلي أسعاره غليا فتتبخر نقود السجناء, هذه هي التجارة المربحة. والزيارات إلى بعض السجون هي معاناة وإذلال للنساء والأطفال, وهذا دفع الكثير من العائلات إلى عدم الذهاب إلى مواعيد الزيارة, كما أن السجون تمنع ذوي النزلاء من الرجال من زيارة ذويهم, وهذا دفع بالكثير من العوائل إلى ترك النزلاء دون زيارات, حفاضا على النساء من الإذلال, فأصبح عدد غير معلوم من النزلاء منسيين لا احد يعلم عن مصيرهم شيئا. وتطورت الأمور فاصبح هناك مصطلح جديد يسمى الزيارة الخاصة, وهذه طريقة جديدة لابتزاز ذوي النزلاء. يحاول الكثير من ذوي السجناء إدخال المكملات الغذائية والمقويات للنزلاء من أجل مساعدتهم وتحسين صحتهم , وحتى هذا ممنوع عليهم. موت في الداخل وحصار أيضا.

رب سائل يسأل أين التخصيصات المالية للسجون, بل أين الحكومة من الأحوال والأوضاع في السجون؟ الجواب ببساطة ليس هناك أي اهتمام للحكومة بهذا الموضوع, على العكس من ذلك تحاول الحكومة وعبر الدعاية التي تشبه الدعايات الانتخابية أن تظهر للعالم أن السجون العراقية هي فنادق خمسة نجوم وأن النزلاء يمارسون حتى الألعاب الرياضية. في العراق يوجد ثلاثون سجنا تقريبا, وحسب وزارة العدل فإن عدد نزلاء هذه السجون يبلغ اثنان وستون الف سجين تقريبا. ميزانية العراق هي من الميزانيات المليارية, وبما أن العراق منذ عام 2003 إلى الآن يحتل مرتبة متقدمة في الفساد, فبالتالي فلا مخصصات تصل لتحسين أوضاع السجون ونزلائها, والأخبار كثيرة عن تحقيقات وملفات وقضايا تتعلق بملف إطعام نزلاء السجون وعن وجود عمليات اختلاس, وجميعها حبر على ورق لأن الأوضاع كما هي في السجون.

وبالرغم من قيام العراق ببناء سجون جديدة فالوضع كما هو ولا يوجد أي تغيير, بل إن الموت وصل إلى نزلاء السجون الجديدة أيضا. لا يوجد اعتناء بمقومات الحياة الأساسية في السجون من مأكل, مشرب, نظافة, رعاية صحية, طبابة, تشميس, زيارات, دعم نفسي للسجناء الذين يعانون من مصاعب نفسية أو عقلية أو دعم لذوي الاحتياجات الخاصة مثل توفير الأطراف الصناعية.

وإذا تساءلنا عن دور منظمات حقوق الإنسان الوطنية, فليس لدينا علم عن كيفية عمل هذه المنظمات, وهم يرددون ما تقوله الحكومة, ويصرحون أن أوضاع السجون جيدة والطعام متوفر ويتم تشميس النزلاء ولا توجد أمراض فقط بعض الأمراض الجلدية التي يصاب بها النزيل أثناء فترة التوقيف قبل أن يصل إلى السجن, ويعترفون بأن الاكتظاظ يصل إلى ثلاثة أضعاف الطاقة الاستيعابية في السجن, وأما السجون التي نزلاؤها من المحكومين بالإعدام فإن التكتم واضح على أوضاع السجون ولا تستطيع حتى الأمم المتحدة أن تقوم بزيارة لهذه السجون ومنها سجن الحوت.

حتى مراكز التوقيف فالمعاناة هي نفسها بل وأشد. ومن أصعب الفترات التي يمر بها نزيل السجن هي مرحلة التحقيق التي يتم فيها ممارسة شتى صنوف التعذيب البشعة لأجل انتزاع اعترافات مفبركة بالقوة, والدفع بالأبرياء لكي يبصموا على اعترافات ملفقة, هذا التعذيب قد أودى بحياة العديد من الأبرياء دون ذنب, وليت الأمور توقفت عن هذا الحد, بل إن جثث الضحايا يتم استخدامها لترهيب الأبرياء وأن انظروا أن مصيركم هو هذا اذا لم تبصموا على الاعترافات. حفلات تعذيب يشارك فيها حتى قضاة التحقيق. ولم نسمع أن الحكومة قد عاقبت منتهكي حقوق الإنسان في السجون إلا عدد قليل جدا جدا, ولهذا السبب فإن هذه مآسي التعذيب لا تزال مستمرة في السجون ومراكز التوقيف.

في العراق المشكلة ليست هي في بناء سجون جديدة أو الترفيه عن النزلاء, المشكلة تبدأ من اعتقال الأبرياء إلى تلفيق الاعترافات إلى الأحكام الظالمة وصولا إلى سجون الموت البطيء وإفلات الجاني من العقاب. فالعراق بحاجة إلى سلطة تنفيذية وطنية بعيدة عن الأحقاد ومنظومة قضائية عادلة تعاقب كل من يخالف القانون دون تمييز حتى لو كان في منصب رئيس الوزراء أو رئيس الدولة. وبالتالي فإن السجون سوف تصبح للتهذيب والإصلاح.

مقالات متعلقة