الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات حين يسدل الستار ..وتبقى النار.. نهاية المسرحية أمريكا وإيران..

حين يسدل الستار ..وتبقى النار.. نهاية المسرحية أمريكا وإيران..

ثائرة أكرم العكيدي /كاتبة وباحثة

كنت أعلم منذ أول وهلة أن حرب إيران وإسرائيل وأمريكا ليست حربا بل هي بمثابة مشهد كارتوني مُتقن الإخراج يُبث على شاشات الواقع لتخدير العقول لا لإيقاظها، كل خطوة محسوبة كل تصريحٍ مُعلب، كل دمعة في خطابٍ سياسي مُختارة بعناية.

كنت أعلم أن ما يُعرض علينا ليس صراعا بين قوى متناحرة بل شراكة مدروسة بين متضادين في الظاهر متفقين في العمق يتبادلون الأدوار في مسرحية تُعرض على جماجمنا، فيما الكواليس مغمورة بالحبر والدم والمصالح .

أعرف أن الجيوش لا تتحرك بنبضات وطن بل بإشارات بورصة وأن العواصم لا تحترق إلا حين تُرسم خارطة جديدة في مكاتب لا تُرفع فيها أعلام بل تُوقع فيها صفقات.

كنت أعلم أن الصاروخ الذي يُطلق من الشرق لا يصل إلى الغرب إلا بعد أن يُقرأ نصه في غرفة المونتاج. وأن كل شهيد يُسقطونه يقابله سهم يصعد في سوق الموت.

هذه ليست حربا… هذه رسوم متحركة تستهدف وعي الشعوب، تُعطينا الإيهام بالحركة، بينما الحقيقة ساكنة لا منتصر لا مهزوم فقط مشاهدون تُنهكهم العناوين وتُغتال فيهم الحقيقة بالتكرار.

كنت أعلم أن أكثر الحروب ضراوة هي تلك التي تُشنّ على الوعي، أن الخسارة الأكبر ليست حين يسقط الجسد بل حين يُسقط الفكر ويُختزل الإنسان إلى رقم على شاشة لا يثير إلا مللاً.

ولذا لم أعد أنتظر نهاية هذه الحرب، لأنها لم تبدأ يومًا. ما بدأ هو عرضٌ طويل لتخدير الذاكرة، أما المعركة الحقيقية… فما زالت مؤجلة، ريثما نستعيد وعينا.

في عالم السياسة لا شيء يُترك للصدفة فكل ما يُعرض على الشاشة من صراعات، وكل ما يُذاع من تصريحات نارية، ليس بالضرورة انعكاسًا حقيقيًا للواقع، بل قد يكون سيناريو محكم الحبكة، أُعد بعناية ليُخدع به الرأي العام.

ومن بين أعقد هذه السيناريوهات وأكثرها خداعًا: المسرحية الكبرى التي قادتها أمريكا وإيران على مدى عقود، والتي يبدو أنها تقترب اليوم من نهايتها.

منذ الثورة الإيرانية عام 1979 والعالم يشاهد لعبة مزدوجة غريبة شيطنة متبادلة في العلن وتحالفات ضمنية خلف الستار.

فبينما ترفع طهران شعار الموت لأمريكا تتسلل رسائل التفاهم من تحت الطاولة.

وبينما تصف واشنطن إيران بــ راعية الإرهاب لا تتوقف قنوات الاتصال السرية عن العمل ولا تتعطل لعبة تبادل الأدوار في ساحات الصراع من العراق إلى سوريا ومن لبنان إلى اليمن.

هكذا كانت تدار الأحداث في سنوات العقد الماضي لكن المشهد بات مفضوحا، الشعوب التي دفعت الثمن من دمها وبيوتها وكرامتها لم تعد تصدق الرواية الرسمية لم تعد تُخيفها لغة التهديد ولا تُطمئنها وعود الحماية.

الوعي الجمعي بدأ يدرك أن ما يجري ليس "صراعًا وجوديا" بين قوتين متناحرتين بل هو اتفاق غير مكتوب على إدارة الخراب وتقاسم النفوذ.

صراع... أم توزيع أدوار؟

في العراق حيث تُركت الدولة تترنح بين حكومات هشة ومليشيات مسلحة، كان التنسيق بين الطرفين واضحا، أمريكا دخلت بقوة السلاح وإيران تسللت بقوة العقيدة والولاء، كل طرف يلعن الآخر على المنابر لكن كلاهما يعزف على وتر الفوضى المنظمة.

وحين تعالت الأصوات الشعبية تطالب بالسيادة والكرامة اجتمع الطرفان بشكل مباشر أو غير مباشر على قمع الحلم في مهده.

وفي سوريا، وقفت طهران بجانب النظام بينما غضت واشنطن الطرف عن المجازر. وفي اليمن تحول الصراع إلى مختبر مفتوح لتجريب حدود النفوذ الإيراني في الخليج وحدود الصمت الأمريكي المشروط.

من الذي استفاد؟

شركات السلاح الغربية. أمراء الحرب الإقليميون. طبقات فاسدة تربت على هامش هذا الصراع المفتعل. وكل منظومة تستفيد من استمرار الفوضى لا من تحقيق العدالة.

أما من خسر؟

فهم الشعوب العرب والكرد، والفرس والسنة والشيعة وكل من حوصر بين المطرقة والسندان. الشباب الذين حُرموا من أحلامهم، والأمهات اللواتي دفن أبناؤهن بلا قبر والمدن التي تحولت إلى رماد.

المشهد الأخير يقترب، فكل مسرحية مهما طالت لا بد لها من نهاية، ويبدو أن هذه المسرحية قد بدأت تفقد زخمها؛ لا لأن المخرج تعب، بل لأن الجمهور بات يخرج من القاعة ساخطًا، متعبًا، فاقدًا للثقة، لم تعد الشعوب تثق بأبطال المسرح، ولا بتفاصيل النص، ولا حتى بتبديل الأقنعة، إيران التي بَنَت مشروعها على وهم مقاومة أمريكا تنزف اقتصاديا وتترنح داخليا، وأمريكا، التي لطالما صدرت صورة الشرطي العالمي باتت تُراجع حساباتها في منطقة لم تعد تُدر عليها إلا الخسائر والعداء.

ما بعد المسرحية... ظلام أم صحوة؟ السؤال ليس هل تنتهي المسرحية؟ بل ماذا بعد نهايتها؟

هل هناك نص جديد؟ إخراج مختلف؟ أم سننتقل من مسرحية مدروسة إلى فوضى مرتجلة؟ هل سيكون ما بعد "أمريكا وإيران" بداية تحرر؟ أم ولادة لمسرحية أخرى، بوجوه جديدة وأقنعة أكثر خداعا؟ الخطر الأكبر ليس في استمرار اللعبة، بل في إعادة تدويرها بشكل أكثر دهاءً. فإذا لم تستفق الشعوب، وتعيد تعريف مصالحها وأعدائها وأحلامها، فإن فصول العبث ستعاد وإن بأسماء جديدة.

نعم المسرحية أوشكت على النهاية، لكن النار التي أشعلوها ما زالت مشتعلة في خرائطنا في وعينا في أملنا المسروق. فلتكن نهاية المسرحية بداية لوعي جديد لا يؤمن بأبطال كاذبين ولا بعدو مصطنع بل يعرف أن الخلاص لا يُمنح.. بل يُنتزع..

مقالات متعلقة