الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات انتخابات مجالس المحتل

بقلم| د. صباح الناصري (أستاذ الاقتصاد السياسي)

حمل الديموقراطية في وعلى ظهر دبابة مثل مشروع وإشكالية مشروع، العراق كنموذج للتغيير في المنطقة. إشكالية، شرعية المشروع والنموذج.

التوفيق بين الاثنين اشترط آليتين وتقنية لضمان نجاحه وديمومته: سلطة أخلاقية متمثلة بالمرجعية ومنظومة محاصصة في هذا السياق، اختزلت الديموقراطية عمليا، (شكليا مؤسسة وتقسيم السلطات)، بتقنية واحدة تضفي شرعية على منظومة لا تمتلك قواعد اجتماعية: الانتخابات.

هذا المشروع وتقنيته فقد تأثيره وجاذبيته في ٢٠١٠:

الالتفاف الدبلوماسي والقانوني على القائمة العراقية ممثلا بقرار السفيرين الأمريكي والإيراني وقاضي المحكمة الاتحادية مدحت المحمود الذي ليس فقط تحايل على الدستور لصالح المالكي، أسوأ من قنن الفساد في داخل مجلس النواب حيث الكتلة البرلمانية الكبرى تعني شراء الذمم لاستقطابها لصالح زعيم الكتلة.

منذ تلك اللحظة نعيش تراجعًا لا متناهيًا للانتخابات وشرعية المنظومة والتحالف الدولي واتفاقياته معها؛ لذلك إصرار المنظومة والمجتمع الدولي على الانتخابات والاعتراف بنتائجها بالرغم من مقاطعة الأغلبية العظمى للشعب يهدف إلى تبرير، إضفاء شرعية والإصرار على ديمومة ديموقراطية الاحتلال لأن التخلي عنه يعني الاعتراف ليس فقط بفشله كنموذج، وإنما يقذف المشروع بأكمله إلى المربع الأول: لا شرعية للاحتلال ومنظومته.

زمر المنظومة تدرك تمامًا أهمية الانتخابات بالنسبة للمجتمع الدولي وتباعا، ضمان شرعية بقائها في السلطة، هكذا انتخابات تنسف شيئا اسمه انتخابات، لماذا؟

ما معنى الانتخاب؟ يعني أن الشعب هو المرجعية الأولى والأخيرة لكل السلطات، وأن الشرعية تنشأ وتكمن في جسد الشعب، ماذا لو كانت الشرعية والسلطات محتكرة من هيئات خارج الجسد السياسي، الشعب؟ ماذا لو أن شرعية النظام محتكرة من قبل الهيئات الدولية والمرجعية الدينية؟ هذا يعني تجريد الشعب من حقه كالمرجعية الجوهرية لشرعية السلطات: استلاب شرعية الشعب. فما معنى الانتخاب إذن في هذا السياق؟ يعني إبعاد الناس عن الهيئات التي يفترض أنها تمثلهم. وهذا يعني أن سيادة صنع القرار يتم نفيها ومن ثم واحتكارها من قبل شبكة من القوى الداخلية والخارجية الفاسدة التي تسعى إلى أهداف ومصالح خاصة غير مشروعة. الانتخابات تضمن استمرار استلاب شرعية الشعب. بهذا المعنى، انقلبت آلية ومضمون الانتخابات رأساً على عقب: الإرادة الحرة تتحول إلى عبودية.

المعضلة الأساسية في العراق، المنطق الذي يكمن خلف ويعلل كل أشكال وظواهر الفوضى، هي استلاب الشرعية وتغييب الشعب، ليس بالرغم من، بل بسبب الانتخابات.

انتخابات مخارجها ووجوهها محسومة ومرتبة من البداية هي استلاب للشرعية، هي ليست بانتخابات لأنها تتناقض جوهريًا مع مبدأ الانتخابات: الخيارات المفتوحة للشعب في تمثيل نفسه وتأكيد شرعيته كالمرجعية الأولى والأخيرة للسلطات.

الآن ما ثارت ضده الجماهير في تشرين، إلغاء مجالس المحافظات وقانون سانت ليغو المعدل وتسييس المفوضية وعدم تفعيل قانون الأحزاب الخ، تم إعادتها وإرجاع عقارب الساعة إلى ما قبل ثورة تشرين ٢٠١٩، أي فرض قسري لأمر واقع خدم وما زال يخدم ميليشيات وأحزاب محاصصة السلطة.

لذلك خلاص العراق لا يكمن في مقاطعة أو ممانعة الانتخابات، إنما في الرفض التام وتسقيط الانتخابات ومرتكزاتها القانونية والإدارية بكل الوسائل والطرق المشروعة، فقط في تسقيط الانتخابات كخيار مفروض على الشعب العراقي، سيتحرك المجتمع الدولي باتجاه الخيارات الأخرى!

السلطة المطلقة بلا رقيب وبلا حساب، تفسد كل من يتقرب منها بالمطلق، لذلك على الشرفاء رفض كل مرتكزات هذه المنظومة الفاسدة بما فيها، بل وقبل كل شيء انتخاباتها الكاذبة التي لا تخدم إلا مصالح الفاسدين وإيران وأمريكا.

المنطق الأداتي أو التقية السياسية

من يحاجج بأن الطريق الوحيد للتغيير في العراق يمر عبر صناديق الاقتراع، أي انتخابات في ظل هيمنة الأحزاب الميليشياوية - الإسلام السياسي أفضل من يجسد الذهنية الأداتية النفعية، التي تنظر إلى الديموقراطية كمعبر أو جسر يوصلها للسلطة بأقل تكلفة ومن ثم تحتكر السلطة من خلال تجريم وإقصاء المنافسين على السلطة - وتغييب القوانين، ينحصر في هذه الفئتين: المحتكر للسلطة، والانتهازي الذي يريد أن ينضم إلى وكر الفساد، باستثناء شخصيات مستقلة تعد على أصابع اليد التي لا تقدم ولا تأخر شيئا في معادلة السلطة الفاسدة، بل أسوأ: وجودها بذاته داخل السلطة يضفي شبح الشرعية على السلطة.

بدون سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة وعزل المذهب والعرق والطائفة عن السياسية لا معنى للحديث عن انتخابات أو صناديق اقتراع، هكذا خطاب هو بأحسن الأحوال خداع للذات وللناس، وبأسوأها تجذير للفساد وتدمير الدولة.

مقالات متعلقة