الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات المد الإيراني بين الحقيقة والأوهام .. أضغاث أحلام ..

المد الإيراني بين الحقيقة والأوهام .. أضغاث أحلام ..

ثائرة أكرم العكيدي/كاتبة وباحثة

ما كاد وقف إطلاق النار في لبنان يبدأ حتى سقط نظام الأسد في سوريا وهي تطورات سعى المسؤولون الإيرانيون لاحتوائها عبر إلقاء اللوم على فشل القوات النظامية السورية ووضع مجرد بقاء حزب الله ضمن إطار النصر الإستراتيجي، وهو ما يعكس إستراتيجيتها الأوسع في الحفاظ على نفوذها وشبكة الردع التي تديرها خلال الحرب غير المتكافئة كما أنه يرسل رسالة مفادها أن طهران لم تتخل عن طموحاتها ولا عن إطارها العملياتي المتصل بحزب الله.

توالت التصريحات الصادرة عن القيادة الإيرانية بأن الحرب على حزب الله وإسقاط نظام بشار الأسد كان مؤامرة أميركية إسرائيلية، تهدف إلى إضعاف العمق الإستراتيجي لإيران.

ولا يبدو أن طهران ستنحرف عن إستراتيجيتها على ضوء هذه التطورات لفرض الردع المتقدم وتقديم دعم ثابت لحليفها في المنطقة، وهي تقوم بذلك عبر دعامتين: أولهما المحافظة على الشيعية السياسية في لبنان والالتزام بترميم قوة حزب الله

وهل انتهى المشروع الإيراني خاصة بسقوط نظام بشار الأسد حليف طهران؟ هل خرجت سوريا ولبنان مما يسمى محور المقاومة نهائياً؟ وهل بالفعل المشروع الإيراني سقط وتلقى ضربة موجعة؟ وما هو مستقبل الاستثمارات الإيرانية في المنطقة؟ خاصة في سوريا على مدى أكثر من 12 عاماً منذ تدخلها المباشر في الحرب الأهلية السورية.

لطالما لعبت سوريا في ظل حكم بشار الأسد وموقعها الجغرافي دورا أساسيا في تنفيذ المشروع التوسعي الإيراني خصوصا بعدما أثبتت الأحداث أن الرجل لم يكن أكثر من بيدق إيراني. وقع بشار منذ اليوم الأول لخلافته والده منتصف العام 2000 ضحية حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله الذي قتل في أيلول الماضي تحول حسن نصرالله طوال 24 عاما من حكم بشار الأسد إلى صاحب التأثير الأكبر عليه. لم يكتف رئيس النظام السوري بتغطية اغتيال رفيق الحريري وعمليات الاغتيال الأخرى التي استهدفت الشرفاء في لبنان، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما اعتمد على حزب الله في حربه على الشعب السوري هل يظن حزب الله أنه لن يكون هناك ثمن يدفعه نتيجة مشاركته في الحرب على الشعب السوري وتهجير سوريين من قراهم وبلداتهم؟

تنبع أهمية سوريا بالنسبة لطهران من كونها كانت الممر اللوجيستي لخطوط الإمداد الإيرانية إلى حزب الله فضلاً عن كونها الحليف العربي الوحيد منذ الحرب العراقية الإيرانية كما أنها كانت منفذاً لطهران على البحر المتوسط ومن ثم ستضعف قدرة إيران على إعادة بناء حزب الله عسكرياً والذي كان يعتمد على تدفق الأسلحة عبر سوريا.

وتعتبر إيران كذلك أنها خسرت الحليف الأساس في ما تسميه بـالهلال الشيعي الذي كان يربط بين إيران والعراق عبر حدود لبنان وسوريا كما تنظر إيران إلى أن وجود الجولاني في سوريا وذكره إيران هو استهداف لها.

يعتمد نفوذ طهران في لبنان على ركيزتين أساسيتين:

الأولى هي قدرة إيران الاقتصادية وإمكانية بنائها طرق إمداد لوجستية جديدة لإعادة ترميم القدرة العسكرية والاجتماعية والاقتصادية لحزب الله بعد خسارة سوريا لصالح المعارضة.

والثانية هي قدرتها على الصمود في مواجهة الأجندة الدولية التي تقودها إسرائيل وحلفاؤها الذين يسعون لتحويل حزب الله إلى كيان سياسي منزوع السلاح.

لقد رُبطت التطورات الأخيرة في لبنان وسوريا واعتبار مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وسقوط بشار الأسد فشلاً إيرانياً بينما تشير معلومات حول الحوثيين المدعومين من إيران إلى إمكانية إنهاء الأزمة السياسية في اليمن بنفس الطريقة التي جرت بها إزاحة نظام الأسد.

يُفهم أن الدور الذي لعبته إيران في إنشاء حزب الله وتطويره كان عملية متعددة الأوجه تاريخيا وأيديولوجيا وجيوسياسيا وقد ساعد التقارب بين ديناميكيات لبنان الداخلية وتطلعات إيران الثورية في ظهور حزب الله بوصفه كيانا سياسيا وعسكريا مهما.

فمنذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تأثرت المجتمعات الشيعية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط ومنها لبنان بنجاح الثورة التي أصبحت مصدر إلهام لرجال الدين والناشطين الشيعة اللبنانيين لبناء نموذج إقليمي للحكم الإسلامي وكان من أبرزهم مؤسس حركة أمل موسى الصدر الذي تلقى دعما من القيادي الإيراني مصطفى شمران.

وقد ساهم الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 في تحفيز تشكيل حزب الله حين أرسلت إيران ما يقرب من 1500 عضو من الحرس الثوري الإيراني إلى البقاع بهدف تنظيم وتدريب الجماعات الشيعية المحلية التي توحدت لاحقا تحت مظلة حزب الله وتزايد معها الدعم الإيراني إلى ما هو أبعد من التدريب العسكري.

بحلول عام 2006 بنى الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله حزبا أكثر ارتباطا بالبيئة المحلية اللبنانية، وأوثق صلة بإيران وأيديولوجيتها وأهدافها في الإقليم.

وبعد السمعة التي حظي بها الحزب في حرب تموز 2006 أصبح حليف طهران في عدة مهام إقليمية، منها الحفاظ على حكومة الأسد بعد ثورة 2011 في سوريا، وتدريب جماعة أنصار الله الحوثيين في اليمن وإسناد المقاومة الفلسطينية بعد طوفان الأقصى.

طهران حريصة على بناء طرق إمداد لوجستية جديدة لإعادة ترميم القدرة العسكرية والاجتماعية والاقتصادية لحزب الله.

استطاعت إيران، عبر حسن نصرالله، استغلال غباء بشار الأسد وصغارته إلى أبعد حدود، لكنّ استثمارها في مثل هذا النوع من الأشخاص ما لبث أن ارتد عليها على غرار استثمارها في حزب الله سقط المشروع الإيراني فعلا. لا يدل على ذلك أكثر من انهيار النظام السوري وقبله حزب الله من سيسقط في المستقبل القريب؟ الأكيد أن الوضع العراقي لا يمكن أن يستمر على حاله كذلك الوضع اليمني.

لقد شكل وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل نقطة تحول محورية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط فقد أعاد تعريف السياسات الإستراتيجية لإيران في لبنان من الدعم إلى إعادة التسليح وهو تحول يربط تعافي حزب الله مباشرة مع الهدف الأوسع لإيران المتمثل في موازنة النفوذ الأميركي والإسرائيلي في بلاد الشام.

إن دور إيران في المنطقة من خلال البعد اللبناني، والعلاقة التاريخية بين حزب الله وطهران وركز على مكانة ودور الحزب في إستراتيجية الأمن القومي الإيرانية بعد طوفان الأقصى والعوامل والضغوط المحتملة التي تؤثر على نفوذ إيران في لبنان خاصة بعد فقدان سوريا وتراجع نفوذ طهران إقليميا بعد ذلك.

لم يستفد محور المقاومة عسكريا من عنصر المفاجأة الذي خلقه طوفان الأقصى وقرر دعم حماس عبر جبهات إسناد دون اللجوء إلى معادلة التصعيد لخفض التصعيد وذلك رغبة من إيران في الحفاظ على مقدرات الحزب في لبنان، واعتمادها على الإيحاءات الإسرائيلية بالانخراط الجدي في المفاوضات مع حماس وقرب وقف إطلاق النار.

عملت إسرائيل بالمقابل على تنفيذ هجوم تصاعدي على إيران وحزب الله بدءا باغتيال القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس صالح العاروري وانتهاء بفتح جبهة عالية التصعيد في جنوب لبنان بعد استكشاف قدرات الحزب وما تملكه إيران من أوراق.

حزب الله اليوم يرفض الاعتراف بهذا الواقع الأليم. يبدو مصرا أكثر من أي وقت على رفض استيعاب الواقع الإقليمي الجديد المتمثل في فشل المشروع الإيراني الذي كان الحزب ولا يزال جزءا لا يتجزّأ منه.

ما يحكم توجهات السياسة الخارجية الإيرانية في الحرب الإسرائيلية على حماس وحزب الله هو نظريتها في البقاء فالنظام الإيراني يفضل براغماتية البقاء بمنسوب مقبول من المبادئ الثورية، كما أنه قادر على خلق معادلة ردع إقليمية تمنع الآخرين من الوصول إلى حدود إيران، وهو ما يتفوق على أيديولوجيا تحرير القدس أو مواجهة إسرائيل.

لم تكن العمليات التي أطلقتها إيران ضد إسرائيل دفاعا عن حزب الله أو حماس إذن، بل إعادة رسم لخطوط الردع مرة أخرى، وذلك بعد الضربات الإسرائيلية المتعددة على القوات الإيرانية في سوريا وعمليات تخريب المفاعلات النووية واغتيال علماء نوويين، واجهتها إيران كلها بالامتناع عن الرد من الأراضي الإيرانية مباشرة على مدى سنوات.

ولم تكن قيادة الحزب الجديدة ممثلة بنعيم قاسم قادرة على اتخاذ قرار بخصوص جبهة الجنوب والقبول بوقف إطلاق النار تنفيذا لوعود نصر الله بإسناد غزة ما دامت الحرب عليها مستمرة. لكن لإيران قراءة أخرى، تجسدت بإرسال المرشد الإيراني كبير مستشاريه علي لاريجاني إلى كل من سوريا ولبنان، أولا لإبلاغ قيادة الحزب بتأييدها موقف الحكومة اللبنانية لخلق وضع مشابه لظروف ما بعد حرب 2006 وإعادة مقدرات الحزب، وثانيا للحصول على ضوء أخضر من الأسد للإبقاء على خطوط الإمداد مفتوحة.

هذا ما يفسر حرص إيران على إبقاء الأسد في محورها بوصفه جسر إمداد إلى لبنان رغم أنه ليس جزءا من إستراتيجية وحدة الساحات بعد طوفان الأقصى وهو ما لم يعد ممكنا بعد انتصار المعارضة السورية المسلحة على نظام الأسد.

الجرائم التي ارتكبتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ساهمت في تمرير نظرية العدو البديل، حيث نجحت إسرائيل في تسويق فكرة أن إيران هي العدو الأول الذي يُحْذر، وأن خطر ما يُوصف بالمشروع الإيراني الصفوي المجوسي الشيعي مقدم على خطر المشروع الصهيوني.

صحيح أن الجرائم التي ارتكبتها إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ساهمت في تمرير نظرية العدو البديل، حيث نجحت إسرائيل في تسويق فكرة أن إيران هي العدو الأول الذي يُحْذَر، وأن خطر ما يُوصف بالمشروع الإيراني الصفوي المجوسي الشيعي مقدم على خطر المشروع الصهيوني، بل ويقتضي التعاون والتحالف مع إسرائيل لدرء الخطر الإيراني الذي يهدد الجميع.

ولا شك أن هذا الانحراف يُعد نجاحاً للفكر الصهيوني وللمصلحة الإسرائيلية خاصة بعد اعتماد البعض لهذا الطرح.

والخلاصة هي أن لإيران أطماعا ومصالح ونفوذا متصاعدا يملأ الفراغ الناشئ عن غياب المشروع العربي المستقل، وأن جنون إيران وعدوانها المستمر يشجع على تصعيد حالة الشحن الطائفي وعلى استنزاف الطاقات في الصدام والاستعداد له وسباق التسلح الأمر الذي سيحطّم الدول العربية وإيران معاً ويسرّع تقسيم المنطقة من جديد.

ليس العراق وسوريا ومصر والخليج العربي مهددين بالتقسيم فقط، بل إن إيران أيضا سينالها نصيبها من التمزق والتجزئة. إن استمرار الصراع لن يخدم إلا أعداء الأمة، واستمرار الشحن الطائفي سيقود إلى الصراع.

ولن تستطيع إيران أن تبلغ مرادها عن طريق العدوان وتصدير الثورة، ولن يُسمح لها بأن تخرج منتصرة أو متفوقة على المشروع الصهيوني إلا إذا تعاونت وتكاملت مع المحيط العربي والإسلامي وبخلاف ذلك فإنها ستعاني من عزلة عربية وإسلامية ودولية لن تستطيع تحمل نتائجها.

المشروع الإيراني سقط بانهيار النظام السوري وقبله "حزب الله" والأكيد أن الوضع العراقي لا يمكن أن يستمر على حاله كذلك الوضع اليمني، وفي المرحلة اللاحقة سيرتد الفشل على إيران نفسها. لا مفر من حدوث تغيير كبير في هذا البلد والذي لا علاقة للنظام القائم فيه منذ العام 1979 بطبيعة المجتمع الإيراني..

مقالات متعلقة