بقلم| عمر الحلبوسي (باحث اقتصادي)
لم يعد يخفى على أحد أن حكومة الإطار تعد الموازنات بشكل عبثي معتمدين على التكهنات التي بالأساس لا يوجد لها مثيل في النظريات الاقتصادية بل على العكس تخالف بها المبادئ الاقتصادية خصوصا وأن الموازنة الثلاثية التي ابتدعتها حكومة الإطار والتي أشرنا لها منذ لحظة الإعلان عنها من أنها ليست موازنة اقتصادية, بل هي موازنة سياسية بامتياز خالفت فيها القواعد الأربعة للمالية العامة لتحمل في طياتها مخاطر متعددة حذرنا منها كثيرا, فضلا عن أن السوداني كان قد وعد في برنامجه الحكومي أنه سوف يعظم من الإنفاق الاستثماري ويخفض الإنفاق التشغيلي ولكن ما حدث كان مغاير تماما مما جعل الموازنة تكرس الاقتصاد الريعي الأحادي المتطرف المعتمد على النفط والتمسك به رغم كل التحذيرات التي أطلقناها ثم تبعنا بها صندوق النقد الدولي من أن الاعتماد على النفط يعد انتحارا اقتصاديا في ظل صراعات جيوسياسية تعصف بالمنطقة واحتمالية انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية في أية لحظة مما سيجعل أسعار النفط تنخفض وفي تلك الحالة ستعجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين وإفلاس الدولة بشكل رسمي.
ففي موازنة عام 2024 التي تحمل بين جنبيها ألغاما كثيرة والتي ستجهز على الاقتصاد العراقي خصوصا وأن موازنة 2023 هي من مهدت لهذه الحالة السيئة وموازنة العام الحالي ستقود إلى وضع اقتصادي صعب جدا في العام القادم, إذ سبق وإن حذرنا منذ عام 2022 من أن عام 2025 سيكون عام انهيار اقتصادي كبير أو ضيق اقتصادي عنيف جدا لأن العبث الذي يمارس من قبل الحكومات والذي يسير بالاقتصاد العراقي نحو الانهيار مع تفاقم الديون الداخلية والخارجية والفوائد المترتبة عليها, فضلا عن تضخيم الإنفاق مع انخفاض الواردات وتفاقم العجز في الموازنة وغياب التنوع الاقتصادي كل ذلك يؤشر لوضع غاية بالخطورة, وبعد الاطلاع على موازنة عام 2024 التي بنيت على التكهنات ومخالفة المبادئ الاقتصادي نؤشر جملة من المخاطر والتي سيكون لها انعكاسات سلبية على الاقتصاد العراقي منها:
1. انخفاض الإيرادات بشكل خطير يرافقه ارتفاع كبير بالإنفاق وهو تضاد لا يجتمع إلا في موازنة الإطار، إذ أن الموازنة تبنى وفق الإيرادات لتجنب المخاطر إلا أن الإطار بنى الموازنة بشكل ابتداعي لا مثيل له بعلم الاقتصاد في وقت انخفضت إيرادات النفط العراقي لعام 2023 بنسبة (19%) بالقياس مع عام 2022 لأسباب تحدثنا سابقا عنها.
2. بناء الموازنة بشكل يخالف القواعد الأربعة للمالية العامة وهي (الوحدة، التوازن، العمومية، سنوية الموازنة) من خلال ابتداع موازنة ثلاثية لتحقيق غايات سياسية على حساب المخاطرة بالاقتصاد العراقي وقوت الشعب.
3. تضخيم الإنفاق التشغيلي الذي بلغ (74%) من إجمالي الموازنة، بينما انخفض الإنفاق الاستثماري ليبلغ (26%) من إجمالي الموازنة التي كرست الاقتصاد الريعي وقضت على كل آمال النهوض بالقطاعات الإنتاجية.
4. انخفاض الرصيد المدور من حساب وزارة المالية لعام 2022 بشكل خطير من (23 تريليون دينار عراقي) إلى (1,571 تريليون دينار عراقي) لعام 2023 وهذا يؤشر لخطر كبير سوف يدفع الحكومة إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لسد العجز الذي تحول من عجز مخطط إلى عجز حقيقي.
5. وضع فقرة تكهنية غير منطقية ولا أساس اقتصادي لها وهي افتراض أن العراق سوف يجني (16 تريليون دينار) من ارتفاع أسعار النفط أكثر من (83 دولار) وهو افتراض تكهني خطير غير اقتصادي لا يمكن بناء الموازنة عليه.
6. بناء الموازنة على افتراض أن سعر برميل النفط (70 دولار) وافتراض آخر ارتفاع أسعار النفط وهذا سعر غير تحوطي يشكل خطورة كبيرة سوف تظهر بشكل أكثر وضوحا العام القادم.
7. بناء موازنة هي الأكبر بتاريخ العراق بلغت (211 تريليون دينار) وبعجز (64 تريليون دينار) وإنفاق تشغيلي يشكل (74%) من الموازنة وإنفاق استثماري يشكل (26%) من الموازنة، علما أنه عند مراجعة الموازنات السابقة نجد عند تنفيذ الموازنة يرتفع الإنفاق التشغيلي ليصل (90%) بينما الإنفاق الاستثماري ينخفض إلى (10%) من إجمالي الموازنة.
8. عجز مالي خطير جدا بلغ (64 تريليون دينار) وهو عجز ليس بمخطط كما تدعي الحكومة ومستشاريها، بل هو عجز حقيقي خصوصا بعد انخفاض الرصيد المدور في حساب وزارة المالية.
9. المبالغة في تضخيم الواردات الغير النفطية وافتراض بأنها ستكون بإجمالي (27 تريليون دينار) على الرغم من أن الواردات الغير النفطية وأقصى ما وصلت له عام 2023 هو (10 تريليون دينار) وسط هدر وسرقة الواردات الغير النفطية قبل وأثناء دخوله في حسابات الدولة.
10. تفاقم مخاطر ارتفاع الدين الداخلي إجراء الإهمال المتعمد من قبل الحكومة وادعاء المستشارين بأن الدين الداخلي غير خطير وهو استغفال وخداع للشعب في الوقت نفسه ارتفع الدين الداخلي ليصل الى (79 تريليون دينار) يضاف لذلك سوف تقوم الحكومة باقتراض داخلي جديد لسد العجز بالموازنة الحالية بقيمة (33 تريليون دينار) ليصبح إجمالي الدين الداخلي (112 تريليون دينار) بينما الدين الخارجي وصل لحدود (29 تريليون دينار عراقي) يضاف له اقتراض جديد بقيمة (13 تريليون دينار) ليصبح إجمالي الدين الخارجي (42 تريليون دينار), ليبلغ إجمالي الدين العراقي الخارجي والداخلي (154 تريليون دينار) وبافتراض أن عدد سكان العراق (40 مليون نسمة) فإن نصيب كل الفرد من إجمالي الديون (3,850,000 دينار عراقي)
11. إعداد الموازنة بشكل يخالف قانون الإدارة المالية الذي نص على أن العجز في الموازنة يجب أن لا يتجاوز (3%) من الناتج المحلي الإجمالي، بينما العجز في موازنة عام 2024 يبلغ أكثر من (22%) من الناتج المحلي الإجمالي.
12. نقص حاد بالكتلة النقدية في القطاع المصرفي الحكومية والخاص، إذ أعلن البنك المركزي العراقي بنهاية العام الماضي أنه صدر (102 تريليون دينار) وأن حجم الكتلة النقدية في الجهاز المصرفي تبلغ (9 تريليون دينار)، بينما حجم الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي تبلغ (93 تريليون دينار) وهو ما يؤشر عدم ثقة المواطن العراقي بالمصارف العراقية العامة والخاصة.
13. استنزاف حاد لأرصدة المصارف الحكومية (الرافدين، الرشيد، العراقي للتجارة) من الاقتراض منهم دون أعادة هذه الأموال المقترضة وهو ما تسبب بانتكاسة كبيرة للمصرف العراقي للتجارة وانخفاض تصنيفه الائتماني الذي أصدرته وكالة فيتش، وسوف يأتي الانهيار على المصارف إذا بقينا على هذا الحال.
14. استخدام التمويل بالعجز من خلال إصدار السندات (إعمار، انجاز) والتي تباع للمصارف الخاصة والمواطنين مقابل فائدة تدفعها الدولة عند موعد سداد السند، وبالحساب البسيط فإن الدولة تستخدم أموال السندات بعمليات تشغيلية ليس منها مردود مالي وهو ما سيجعل الدولة عاجزة عن سداد اموال السندات وفوائدها بوقتها المحدد وقد وضعت نصب عينها أن تقوم بالتسديد من خلال استخدام اساليب ترقيعية بالغة المخاطر.
15. استنزاف احتياطي البنك المركزي العراقي من النقد الأجنبي والذي سينخفض بنسبة (12%) خلال العام الحالي جراء التعدي عليه من قبل حكومة الإطار لسد العجز في الموازنة، ليصبح اجمالي احتياط البنك المركزي (100 مليار دولار)، ثم سيتبعه انخفاض أكبر العام القادم.
16. استنزاف واردات النفط العراقية من خلال نافذة بيع العملة الأجنبية، والتي تبيع يوميا أكثر من (250 مليون دولار) لتوفير النقد لدفع الرواتب وهذا الاستنزاف الخطير تعتاش عليه دول، فضلا عن أن فرق بين سعري الصرف الرسمي والموازي يتسبب بخسارة سنوية للخزينة العامة للدولة تبلغ أكثر من (6 مليار دولار) تذهب لجيوب المصارف الاجنبية عرابي السوق الموازي.
17. استخدام مخطط بونزي لخلق حالة من الوهم المالي الذي سيؤدي إلى تفاقم المخاطر والتعجيل بانهيار الدولة ومؤسساتها جراء الشذوذ عن المبادئ الاقتصادية واستخدام اساليب غير قانونية وغير اقتصادية في التعامل مع المشكلات القائمة.
18. استنزاف الأموال بإنشاء مشاريع يشوبها الفساد وكان بالإمكان التخلي عنها الآن كونها لا ينتج عنها ايرادات إطلاقا والتوجه الى المشاريع الانتاجية لتنويع مصادر الايرادات للدولة، لكن الطموح السياسي وخلق انجازات وهمية هو من تسبب بهدر هذه الاموال لغرض احداث (الطشة السياسية) على حساب المخاطرة بالوضع المالي والاقتصادي للعراق.
19. الاستمرار بالتعطيل المتعمد للقطاعات الانتاجية الزراعة والصناعة وتجلى ذلك بالتخصيصات المتدنية لهاتين الوزارتين بالقياس مع الاوقاف الدينية التي تم زيادة التخصيصات المالية لها بشكل كبير تفوق اضعاف ما خصص للزراعة والصناعة مجتمعتين.
20. سوء توزيع التخصيصات المالية بين المؤسسات مما يعطل عملية الاستثمار لهذه الأموال ويضعها في دائرة الالتهام من قبل حيتان الفساد التي تنهش بالعراق، وقد تجلى ذلك في عدد من الفقرات المبهمة في الموازنة.
إن موازنة عام 2024 بشكلها الحالي هي رصاصة الإعدام في رأس الاقتصاد العراقي الذي يدفع بشكل متسارع نحو الانهيار الكبير في ظل سوء التخطيط وتغليب المصالح السياسية والفردية على مصلحة الوطن والشعب، وبالتالي فإننا مقبلون على عام قادم سيكون الأشد صعوبة على العراق وشعبه مع الوضع الحالي المتردي وتخيل لو أن أسعار النفط قد انخفضت كيف سيكون الوضع معها مع اشتداد الصراعات الكبيرة المنطقة فضلا عن ساحة الحرب المستعرة بالعراق والتي كلها تلقي بظلالها على الوضع المالي والاقتصادي للعراق.