الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات العراق وتركيا.. علاقات تاريخية.. وشراكة إستراتيجية..

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

يرتبط العراق بعلاقات وثيقة مع جارتها الشمالية تركيا تلك العلاقات التي تعود الى عمق التاريخ، إذ تجمع كلا البلدين العديد من الروابط الثقافية والدينية وحتى العرقية حيث التداخل بين مختلف القوميات الكردية وحتى التركمانية فقد اتسمت تلك العلاقات بالتطور في مختلف الحقب التاريخية فلا ننسى أن هناك العديد من المشتركات بينهما ولا سيما نهري دجلة والفرات والذي يعد الرابط القوي التي تجعل العلاقة بين البلدين مصيرية، ولذا نجد أن تلك العلاقات بقيت مستمرة وذلك لدخول العراق في تحالفات إستراتيجية مع تركيا فضلا عن عقده العديد من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية .

كما أن هناك علاقات اقتصادية وتجارية بحكم ترابطهما بحدود مشتركة وقضايا مشتركة كالمياه والقضية الكردية ووجود المكون التركماني في العراق، ومرور الخط الإستراتيجي الذي يعتبر الشريان الرئيسي لتصدير النفط العراقي إلى ميناء جيهان التركي ومنه إلى قارة أوروبا وغيرها. إن تطوير العلاقات الثنائية بين تركيا والعراق قد يسهم في الاستقرار الإقليمي في المنطقة خصوصاً بعد فوز الرئيس التركي اردوغان والنهج التصالحي الذي بدى واضحاً على السياسة الخارجية التركية مع العديد من الدول المجاورة والاقليمية. فرغم جميع الوقائع التي حدثت في تغير علاقة انقرة

وسياستها مع دول المنطقة إلا أنها ظلت راسخة ثابتة مع العراق يسودها مفهوم الاستمرارية والحفاظ على جوهرها لطبيعة العلاقات الوطيدة بين الشعبين العراقي والتركي وهذا بدوره سيكون واضحاً في تعزيز علاقات التعاون المتبادلة وتوسيعها في مختلف المجالات وآخرها مشروع تجاري عملاق أطلق عليه (طريق التنمية) لربط ميناء الفاو في العراق بالحدود التركية عبر ما يسمى بالقناة الجافة في مرحلة أولى ثم منها إلى أوروبا رابطاً الشرق بالغرب بطريقين بري وسككي لنقل البضائع والمسافرين.

وعلى مدار العقد الماضي بَنت تركيا نظاماً في سياستها الخارجية يعتمد على قوتها الخاصة وإمكانياتها كقوة إقليمية. وبعد ضمان أمنها واستقرارها أصبحت تولي أهمية أكبر للاستقرار الإقليمي.

زيارة اردوغان للعراق نهاية شهر نيسان الماضي هل قفزة تتجاوز جميع العلاقات من الناحية الجيوسياسية، والأمنية والسياسية، بالإضافة إلى العلاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وأفريقيا.

وهل ستكون زيارة العراق فعالة للغاية لخلق القصة الجديدة التي يتم الحديث عنها في الأوساط الحزبية لحزب العدالة والتنمية كما أسلفنا في بداية المقال. وسيتمّ التعاون في العديد من مجالات كالأمن والتجارة والطاقة والسياحة، من خلال الاتفاقيات التي سيتم توقيعها بين البلدين، ممّا سيجذب مستثمرين جدد، ويُنشئ علاقات جديدة

ولا تقتصر زيارة أردوغان إلى العراق بعد 12 عاماً على بغداد فقط، بل تشمل أيضًا أربيل. وفي العام الماضي كانت صادرات النفط التي تتم عبر ميناء جيهان التركي من إقليم شمال العراق قد توقفت، ويُذكر أن هذه الزيارة ستؤدي إلى إعادة استئناف تصدير النفط، الذي يُزعم أنه تسبب في خسائر تزيد عن 6 مليارات دولار.

ويأمل العراقيون أن تؤدي الزيارة إلى تنمية بلادهم وقيام المزيد من الشركات التركية بأعمال تجارية فيها، ويتوقعون أن يتحسن التعاون بين البلدين في مكافحة الإرهاب.

تاريخياً لطالما كانت العلاقات العراقية التركية موضع تذبذب، حاكمها الأساس المتغيرات السياسية والأمنية بشكل رئيس، والى حد ما موضوعة المياه، إذ لم تدم على وتيرة واحدة، وبدت الرغبة متوافره لدى البلدين في أن تكون هذه العلاقة متطورة ومتسعة وهو ما تم ترجمته في الاتفاقيات التي عقدت عام (2009) والملاحق الملحقة بها، والتي أريد لها تهيئة البيئة المناسبة لبناء علاقات متطورة ببعدها الاقتصادي والسياسي. وبما تتضمنه هذه العلاقة من توافقات بشأن المشاكل التي تواجها، لا سّيما مشكلة المياه والقضية الكردية والنفط. فإن الاوضاع تستدعي ارتقاء العلاقات العراقية التركية فحاجة تركيا الى تعزيز نموها الاقتصادي وحاجتها الى النفط والغاز كمصادر رئيسة للطاقة، تدفعها الى السعي لضمان تأمينها الآن وفي المستقبل، بينما يمتلك العراق احتياطات نفطية ضخمة يقدر الثابت منها بأكثر من (112) مليار برميل، وسوق استهلاكية كبيرة في ظل تراجع اداء القطاع انتاجي بشقه السلعي، فضلاً عن الفرص الاستثمارية الكبيرة التي يمكن أن تستحوذ عليها الشركات التركية في إعادة أعمار البنية التحتية المدمرة، نتيجة الغزو والاحتلال الأمريكي البريطاني عام (2003).

وعند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية والتي تزامن مع وقوع الانقلاب العسكري الثالث في تركيا عام (1980) ، عبرت الحكومة التركية عن موقفها من الحرب ، على لسان رئيسها التركي آنذاك كنعان افرين، بقوله: (نحن نأسف للحرب العراقية- الإيرانية ونقلق من ذلك، وأن تركيا بذلت ولازالت تبذل كل الجهود لإنهاء هذه الحرب بالطرق السلمية) وفي الحرب العراقية الإيرانية كانت تركيا طريقاً رئيساً لكلا الطرفين المتحاربين إلى أوروبا وخاصة العراق، الذي صارت تركيا شريكاً رئيساً له، إذْ كانت تعد ممره إلى أوربا وأحدى طرق الإمداد الحربي طيلة سنوات الحرب واستمرت تلك الحرب عشر سنوات. تلا ذلك احتلال الولايات المتحدة للعراق. ومن المفارقات العجيبة أنّ الولايات المتحدة أدخلت التنظيمات المتطرفة إلى الأراضي العراقية، ثم تعاونت مع وحدات مدعومة من عدوّها اللدود إيران بحجة إنقاذ العراق.

خلاصة الأمر احتلت الولايات المتحدة العراق بينما عملت إيران على إطالة أمد حالة الفوضى وعدم الاستقرار في البلاد. أعتقد أن مصير العراق قد يتغير جذريا اليوم، وأن تركيا ستلعب دورا كبيرا في هذا التغيير.

وعندما ظهر مُسمى طريق التنمية فكرت أنه يجب استخدام هذا الوصف كعلامة تجارية تحت اسم طريق التنمية والاستقرار.

ربما سيشهد المستقبل القريب مشاركة اقتصادية عراقية كبيرة مع تركيا والتي ستؤثر بدورها على جميع دول المنطقة لأن هذه المشاركة والتعاون المشترك هو السبيل الوحيد للتغلب على تداعيات الأزمات العالمية.

ويمكن ان تكون هناك تطورات إيجابية تشهدها منطقة الشرق الأوسط على صعيد تعزيز التعاون بين الدولتين وحشد الجهود من أجل تحقيق التكامل الاقتصادي ودفعه قدما، وحل الخلافات استنادا إلى منهجية الحوار المتعقل الذي يغلب المصلحة ويعلي من شأن التعاون بين الجيران بغية تحقيق مصالح الشعوب..

مقالات متعلقة