بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)
التخدير في عالمنا لم يعد متوقفاً على العلوم الطبية ويبدو أن العلوم السياسية بدأت اليوم تنافس العلوم الطبية في نوعيات وكميات الحقن المستخدمة في تخدير الشعوب وهي حقن خاصة وفريدة من نوعها.
هذا ما نراه واقعاً في مجتمعنا العراقي بعض المسؤولين وأحزاب السلطة الذين لا يملكون رصيداً حقيقياً إلا خطاب المكر والابتسامات الصفراء، والأيمان المغلظة الكاذبة، وهذا هو التخدير بعينه، إضافة إلى براعتهم في أداء الكذب والظهور المزيف الذي يجعل المشاهد يهم خلع ثوبه لذلك المسؤول بدعوى حب الوطن مصحوبة بالدعاء له، فضلا عن تبريره لفشل المسؤول أو الوزير بحجة أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان.
أيام التلفزيون الأبيض والأسود كنا بالكاد نميز وجوه اللاعبين من أرقام وألوان قمصانهم، كان المعلق ينبه على أن الفريق بالملابس الفاتحة هو الفريق الفلاني والمنافس بالملابس الغامقة، ويلعب على يسار الشاشة مثلا.
ومن أجمل ذكرياتي هو صعود العراق لكاس العالم سنة 1986 رغم استمرار الحرب العراقية الإيرانية، حيث كان التلفزيون العراقي ينقل مبارات الفريق العراقي وفي الوقت نفسه ينقل صور من المعركة في ساحات الوغى لصناديد العراق الأبطال.
خليجي 25 الذي أقيم في البصرة الفيحاء كانت مناسبة للتعبير عن الفرح ووحدة مصير العراقيين وكسر حواجز الخوف السياسية والاجتماعية وضرب أهداف أحزاب الخراب والفساد والظلام ومحاولاتها نشر أخلاق دخيلة وسيئة على موروث شعبنا.
تنوعت أهداف المسؤولين بإقامة البطولة في البصرة فبعضهم أراد بيان وجه جديد لعلاقة العراق بجيرانه، وتحسين ما أفسده ساسة الفساد والمحاصصة والطائفية خلال سنين طويلة، والاتحاد كان همه رفع الحظر عن الملاعب العراقية وغير ذلك من الأهداف الأخرى.
لكن هنالك مظاهر برزت في البطولة بشكل لافت للأنظار. فإيران لأول مرة وبعد أكثر من 50 عاما على إقامة أول بطولة لكأس الخليج تعترض على التسمية؛ لماذا هذا الاعتراض الآن؟.
هنا تتذكر أيران أيضا مواقف الخليج الداعمة للعراق في حرب الخليج الأولى وخشيتها من عودة تلك العلاقة بتلك الصور رغم الموقف من هذه العلاقة كونها ساعدت النظام السابق في استمرار الحرب.
العلاقة القوية التي أبرزتها هذه البطولة بين شعوب المنطقة الخليجية وتقارب الوجدان الشعبي مع العراقيين بشكل كبير؛ يبين أن بعض مشايخ الخليج والأحزاب الطائفية العراقية التي ربتها إيران لزرع الفرقة بين العراقيين وأخوتهم في الخليج لم تعط ثمارها قط؛ بل أصبحنا نرى ونسمع المديح والشوق لتوطيد أواصر المحبة والالتقاء بين شعوب الخليج والعراقيين رغم محاولات زرع الفرقة على الأساس الطائفي.
صور ومشاهد كثيرة لا يمكن حصرها جعلت دموع المشاهدين تذرف من حفاوة العراقيين بإخوانهم العرب حتى الضيوف استغربوا من حجمها؛ حتى أزالت من عقولهم ما تكرس من صور غير صحيحة عن حقيقة أهل البصرة والعراقيين، صور أظهرت نقاء شعبنا وطيبة معدنه وعدم تأثره بكل ما تراكم من غبار أسود جلبته معها أحزاب الظلام والفساد والمحاصصة؛ مثلما فاجأت انتفاضة تشرين وشبابها الثوري كل هذه القوى الفاسدة بقوة المثل وحب الوطن والاستعداد للتضحية في سبيله؛ ولذلك كانت ملاعب البصرة تصدح بنفس الشعار بالروح بالدم نفديك يا عراق.
لا شيء غير العراق هو السائد في حب هذه الناس وهو ما يجمعهم وهو ما يخيف القوى الطائفية ومن يساندها من خارج الحدود.
كرة القدم أصبحت فسحة الأمل الوحيدة في ضيق عيش الشعوب، والاحتمال الوحيد للإصابة بالفرح، أو تذوق طعم الانتصار، من حق العراقيين أن يبحثوا عن الفرحة وأن يعيشوها بجميع تفاصيلها.
ردود فعل مثل هذه الشعوب على انتصاراتها وهزائمها في ميادين كرة القدم، يكاد يوازي أو يفوق انتصار أو سقوط جيوشها في ساحات المعارك. الفرق أن مدربي الفرق الرياضية هم من يدفعون ثمن الخسارة على الملعب، فيما تزيد النياشين والأوسمة على صدور قادة الجيوش وزعمائهم حتى بعد الهزائم في ساحات المعركة.
هذا الكم الكبير من العواطف والحماس، ولتفريغ شحنات الشعوب الوطنية والعصبية، على مدرجات الملاعب، يضع إشارات استفهام كبيرة على ما تفعله العديد من الدول والحكومات وحتى الشركات من أجل تحويل هذه اللعبة إلى ملهاة، بل حتى إلى أفيون لتخدير شعوبها ونحن لا نريد لشعب العراق ذلك.
البطولة انتهت ويجب أن تكون هناك بطولة مماثلة لها وبحجم جماهيرها لتنتفض على هذا الظلم الذي لا نستحقه ولا يستحقه أي عراقي شريف
المسؤولون والأحزاب الطائفية والقومية الحاكمة يجمعون كل إمكانيتهم لکي يشارك عدد أكبر من الناس في هذه المناسبات ليظهروا زيف عواطفهم ويسيطرون على الوضع ومحاولة ظهورهم بمظهر الحريص على شعبه؛ لكن الحقيقة هم يريدون إلهاء الشعب وإبعاده عن المطالبة بحقوقه وعن الاعتراضات والتظاهرات ضد سلطتهم وحكومتهم.
الكوابيس التي عاشها العراقيون وحجم أهوالها لا يمكن محوها من ذاكرتهم بسهولة لأن آثارها مدمرة. والجلادون عواطفهم ميتة، والأحرار يفتخرون بدمائهم تسيل على أرض الوطن؛ لأنهم يوقنون أن طريق الحريّة يستحق التضحية بالغالي والنفيس، ولهذا ستنتصر إرادة العراقيين رغم كلّ التحديات ومحاولات التخدير البائسة.
واقع الأزمة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العراق، خصوصا مع ارتفاع سعر الصرف وما تبعه من تداعيات أخرى أثرت إلى حد كبير على الحياة المعيشية للمواطنين وخاصة فئة الفقراء.
لا شك أن بناء العقول بوعي حقيقي يبني ويجمع البشرية، أمر ليس بالهين فالوعي جهاد لا شوكة فيه، ويكفي هذا الوصف لنعلم أهميته القصوى وفي نفس الوقت ندرك حجم التآمر، والمكر المركب للكثير من أجهزة الإعلام الناطقة باسم السلطة، والأحزاب والمسؤولين الذين يسعون بلا كلل أو تعب لتخدير شعوبهم بالخطاب العاطفي المفلس الفارغ من محتواه، وسجن وتقييد الأوطان وتحويلها لركام ومظالم.
الحكومات ومنذ سنة 2003 تتفنن في خداع المجتمع العراقي وتزييف الوعي وتحويل وسائل الإعلام إلى طبول وأبواق في زفة النفاق، وإشغال الناس عن قضاياهم الحقيقية بالحديث عن المنجزات الورقية، وتضخيم الإنجازات التافهة، والمبالغة نقد الأخطاء الثانوية وتجاهل الكوارث الكبيرة، وفق ما يسمونه بالإمساك بصغار السمك والتغاضي عن الحيتان الكبيرة.
ومن مظاهر تزييف الوعي الذي تمارسه ماكينة إعلام الهيمنة المبالغة في الحديث عن انجازات وهمية أو ثانوية هو حقيقة الأوضاع بالبصرة الحبيبة؛ فرغم كرم أهلها الذي أذهل العالم لكن وجهها الآخر يرسم الفقر بنسب ة40% من ملامحه بسبب الإهمال الحكومي وشح المال وسرقة ميزانيتها، مشكلات السياسة والاقتصاد التي عصفت بالبلاد كان للبصرة نصيبا كبيرا بها، مع أنها تنتج نحو 4 ملايين برميل يومياً من النفط الخام فمقدار ما يخصص لها سنويا من موازنة العراق لا يزيد عن 685 مليون دولار.
وزراعياً تشهد البصرة تراجعا ملحوظاً بسبب شح المياه والتصحر وجفاف الأهوار، والاستثمارات النفطية والمخلفات الحربية لتتراجع مساحة الأراضي الزراعية من 5 ملايين دونم إلى 60 ألف عام 2021، بينما تراجع أعداد النخيل من 13 مليون نخلة إلى قرابة 3 ملايين فقط العام الماضي.
ورغم كل هذه الأزمات التي تمر بها بصرتنا الحبيبة لم يثن أهلها عزيمتهم أبدا من تقديم الوجه الجميل لها والذي يحمل كل معاني الكرم والجود والإيثار رغم الوجع والعوز والظلم الذي طالهم كما طال جميع العراقيين من شمال الوطن إلى جنوبه.
مرحى لشعبنا واهلنا في البصرة الفيحاء وهو يعطي الدروس الكبيرة في العطاء المثمر ويعكس صورة المواطن العراقي النظيفة من كل شوائب الخراب التي حاولت زرعها بداخله أحزاب الفساد والجهل.
مرحى لابن العراق من كردستان لأقصى الجنوب وهو يرى البصرة بالعين الجميلة مثلما يرى بقية مدن كردستان ويشعر بالأمان والفرحة ويعكس فلكلورة الجميل الأمان الذي صنعه أبناؤها بعيدا عن كل معالم الطائفية والعنصرية، والإيثار الذي توشحوا به على مدى أسبوعين، تناقلته القنوات العربية والعالمية ليكونوا هم القدوة التي لبقية الشعوب...