الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات السجون العراقية.. أهوال خلف الأسوار

بقلم| ثائرة أكرم العكيدي (كاتبة وباحثة)

لطالما شغلت انتهاكات السجون الحكومية المعلنة والسرية في العراق الرأي العام دولياً، وتتفق غالبية المنظمات الحقوقية على أن قضية المعتقلين العراقيين تُعتبر انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان في ظلّ اعتراف دولي على وصف السجون الحكومية المعلنة في البلاد بأنها تشهد أسوأ عمليات الابتزاز في العصر الحديث، إذ يتعرض المغيبون وراء أسوارها لجرائم القتل البطيء بالتعذيب والتنكيل والإذلال والإهمال المتعمد.

ولا توجد إحصائية رسمية لعدد السجناء في العراق، لكن أرقاماً متضاربة تؤكد أنها تقارب مائة ألف سجين يتوزعون على سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون تمتلكها أجهزة أمنية مثل جهاز المخابرات والأمن الوطني ومكافحة الإرهاب والحشد الشعبي، وسط استمرار الحديث عن سجون سرية غير معلنة تنتشر في البلاد وتضم آلاف المعتقلين.

وضع السجون العراقية من الناحية الإنسانية عليه كثير من الملاحظات والمؤشرات المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان، فالحكومات المتعاقبة على العراق منذ الغزو الأمريكي عام 2003 تتعمد إساءة معاملة السجناء وابتزازهم واستغلالهم إذ تحولت السجون إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين الأحزاب.

وكان المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب قد كشف في تقرير له رصد وفاة عشرات المعتقلين سنويا نتيجة عمليات التعذيب والإهمال الطبي في السجون التابعة لحكومة بغداد والمحافظات بالإضافة إلى توثيق حالة انتحار متعددة في مراكز عديدة في عدة محافظات .

إن تدابير مكافحة الإرهاب رافقتها العديد من الانتهاكات بحق المدنيين؛ حيث قامت الأجهزة الأمنية والميليشيات باعتقال الكثير من المدنيين تعسفا ورافق هذا الاعتقال تعذيب المعتقلين بدءا من لحظة الاعتقال وحتى المحاكمة، ورافقت هذه التدابير أيضا عمليات قتل خارج القانون بسبب التعذيب الممنهج ضدهم.

أن مساحة عمليات التعذيب في السجون العراقية اتسعت مع مرور الوقت، وازدادت خلال فترة ما كان يعرف بالمخبر السري، ورغم أن العراق انضم لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة رقم "30" لسنة 2008، إلا أن القانون لم يُفعل ولم يجد طريقه للتنفيذ ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بحق السجناء.

كثير من المنظمات الإنسانية والمعنية بحقوق الإنسان ما تزال تقدم الشكاوى للجنة مناهضة التعذيب لكن لا يوجد أي رد رادع من قبل المحكمة الجنائية الدولية لكي تقتص من منتهكي القانون الدولي ومرتكبي الجرائم.

التعذيب بات سلوكا ممنهجا تتبعه السلطات في العراق، وهذا مؤشر خطير على أن ما يحدث في السجون هو شيء كارثي.

إن بعض السجناء الذين تعرضوا للتعذيب في السجون عندما يخرجون لا يتحدثون عما تعرضوا له، وهو ما يشكل خللا كبيرا في الأرقام والإحصائيات.

هناك آثار نفسية كثيرة يعاني منها ضحايا التعذيب، ومنهم من تحدث لديهم مشاكل عقلية، ويعيشون حياتهم وسط صدمات نفسية كبيرة.

وقد أثبتت بعض المنظمات الدولية عن وجود اعتقالات وحالات إعدام لأشخاص انتزعت منهم اعترافات تحت التعذيب لذا فإن التعذيب يؤدي إلى تغييب العدالة ويسهم في إفلات الجناة الحقيقيين من العقاب.

وأقل ما تتخذه السلطات في العراق المعنية هو عقوبة بسيطة للمتهم بجريمة التعذيب متروكة لتقدير السلطة القضائية وقد تكون بين 3 أشهر و15 عاما وفق رأي القاضي وهي لا تتناسب مع حجم الجريمة والتي قد تؤدي إلى إعاقة نفسية أو عقلية أو جسدية للشخص أو لذويه مدى الحياة.

إن ما يتعرض له المعتقلون والمغيبون في السجون الحكومية وغير الحكومية إلى التعذيب والمعاملة القاسية اللاإنسانية لإجبارهم على الاعتراف بتهم باطلة لم يرتكبوها.

ومؤخرا تصاعدت شكاوى الابتزاز التي يتعرض لها ذوو السجناء في العراق من قبل ضباط التحقيق والسجانين والعاملين في مراكز التوقيف والسجون أكثر من أي وقت سابق، ليتحول السجناء، وفق تعبيرهم، إلى مصدر ربح يدر أموالاً بالمساومات والابتزازات، فيما تبقى أزمة المعتقلين ملفاً محرجاً للحكومة العراقية، وسط انتهاكات متصاعدة بحق المعتقلين الذين يتعرضون لأشدّ أنواع التعذيب، حسب ما أكده حقوقيون.

السجون الحكومية تشهد سنويا وفاة العشرات من المعتقلين، خصوصاً سجني التاجي والناصرية، نتيجة لانتشار الأمراض والأوبئة وسوء التغذية، لكن السلطات والجهات المعنية تتحفظ على نشر عدد الوفيات والأسباب التي أدت إلى وفاتهم.

وأبرز حالات الانتهاكات تحدث في سجون التاجي في شمال العاصمة بغداد، وفي سجن الحوت بالناصرية وفي سجن تلكيف بمحافظة نينوى ووزارة العدل تدرك جيداً خطورة عمليات المساومة ورشاوى الضباط، لكن ربما يتعرض المحامون والمحققون في الوزارة لتهديد بالسلاح.

صمت الحكومات العراقية المتتالية عن الانتهاكات الفظيعة التي ترتكب في السجون منذ أكثر من عشرين عاما يعتبر مشاركتها في الجريمة لذا بات ضروري تشكيل لجان محايدة لزيارة السجون والوقوف على الأعداد الحقيقية لضحايا التعذيب اذا أرادت تبييض صفحاتها السوداء. هناك تقارير من داخل السجون العراقية تؤكد حدوث حالات وفاة متكررة بين المعتقلين بسبب تعرضهم للضرب والصعق بالكهرباء لانتزاع اعترافات بجرائم لم يرتكبوها، مبينا أن أغلب السجناء الذين يتعرضون للتعذيب من المحافظات الشمالية والغربية وجانب الكرخ في بغداد.

وهناك تقرير نشرته منظمة العفو الدولية إلى أن آلاف العائلات في جميع أنحاء العراق ما زالت تجهل مصير ومكان أقاربها ممن اختفوا، فيما تعرض النازحون العراقيون للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والمحاكمات الجائرة، وبحسب التقرير وذكر جميع الرجال والصبية الذين اعتقلتهم القوات الأمنية في العديد من المحافظات والإقليم أنهم تعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة في محاولة لانتزاع اعتراف منهم، وتعرض كثيرون للضرب بقبضات اليد أو الأنابيب أو الخراطيم، بينما تعرض رجل للتهديد بالعنف الجنسي ضد قريباته من الإناث.

يكمُن أحد أسباب تفاقم ظاهرة تعذيب المعتقلين وابتزاز عائلاتهم في اتجاه السجون العراقية، تحت رعاية وزارة العدل، إلى دمج مئات الأشخاص غير المؤهلين التابعين للميليشيات المسلحة ضمن صفوف ضباطها وموظفيها، وذلك في إطار خطط سبقت اجتياح تنظيم الدولة لمدن العراق عام 2014. وقد أتت الخطط في إطار تعاون بين بعض المؤسسات العراقية من جهة وبعض الفصائل المسلحة التي تتقاتل على حيازة النفوذ في هذه المؤسسات من جهة أخرى. وغالبا ما يتلقى هؤلاء أوامر من أحزابهم وجماعاتهم بتعذيب السجناء وإبقائهم في زنازين انفرادية، وإخفاء أخبارهم عن عائلاتهم، ثم التواصل مع تلك العائلات والمطالبة بأموال طائلة من أجل تحسين ظروف سجنهم.

بطبيعة الحال، بات الإنكار المتواصل من الجهات الرسمية العراقية، الذي وقعت آخر فصوله حين نفت وزارة العدل حقيقة ما جاء في تقرير للأمم المتحدة عن وقائع صعق وعنف جنسي في السجون، بات نهجا معتادا للسلطات في التعامل مع التقارير الدولية والمحلية التي تتحدّث عن ملف الانتهاكات.

يبدو مشهد التكدُس محاولة عديمة الجدوى من الأهالي لتخفيف الأهوال التي يُلاقيها ذووهم في سجون العراق، ففي هذا البلد الذي تعاقبت على حكمه عدة حكومات ديمقراطية اسميا منذ الغزو الأميركي عام 2003، لا تزال ممارسات التعذيب حاضرة فيه تماما كما كانت قبل قدوم الأميركيين، بل إن بعض السجون بعينها باتت تشتهر بممارسات التعذيب الشائنة.

يتعرض المعتقلون وذووهم في السجون الحكومية العراقية لأسوأ وسائل الابتزاز في العصر الحديث، كما يصفها أحد التقارير، وتُنهب أموالهم مقابل الكشف عن مصيرهم، أو استبدال أوراق التحقيق الخاصة بهم، أو تهريبهم من السجن، أو ضمان عدم تعرُّضهم للتعذيب وسوء المعاملة، أو وضعهم في زنازين نظيفة تتوفر فيها مصادر هواء وحمامات صحية. أما المكاسب المالية التي يجنيها القائمون على السجون فتتوزَّع على شبكة واسعة من الضباط والمسؤولين العراقيين.

جعلت تلك الظاهرة مجتمع الضباط والعناصر الأمنية، الذين باتوا أشبه بالعصابات، ذوي ثراء فاحش، فهُم يستغلون أبناء العائلات -خاصة الميسورة منها في العراق استغلالا منهجيا إذ لا يجد ذوو المعتقلين خيارا سوى دفع الأموال المطلوبة منهم خوفا من أن يتعرض ابنهم للتعذيب ثم يُدلي باعترافات توصله إلى عقوبة الإعدام.

إن الزنازين باتت واسعة المساحة فقط

بيد أن تلك التصريحات لا تعدو كونها مثالا آخر على انفصال المسؤولين العراقيين عن الواقع داخل السجون، أو استخفافهم بالرأي العام المحلي، وحتى المجتمع الدولي الذي يؤكد تفشي التعذيب في سجون البلاد ويرصدها في التقارير الحقوقية مرة بعد مرة.

بطبيعة الحال بات الإنكار المتواصل من الجهات الرسمية العراقية الذي وقعت آخر فصوله حين نفت وزارة العدل حقيقة ما جاء في تقرير للأمم المتحدة عن وقائع صعق وعنف جنسي. في السجون بات نهجا معتادا للسلطات في التعامل مع التقارير الدولية والمحلية التي تتحدث عن ملف الانتهاكات. وتُبين الأرقام أن من بين 1406 شكوى تعذيب أو سوء معاملة في أماكن الاحتجاز عام 2023 أُغلِق 18 تحقيقا فقط حتى الآن، حسب مجلس القضاء الأعلى في العراق، فيما كشف استجواب 285 حالة احتجاز أجرت الأمم المتحدة مقابلات معهم عن عدم حصولهم على محام، بل كافح المحتجزون من أجل إعلام أُسرهم نفسها بمصيرهم. ورغم احتواء قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على المادة 333 التي تنص على الحكم بالسجن على كل مُوظف أو مُكلَّف بخدمة عامة عذب أو أمر بتعذيب متهم أو شاهد، لكن لم يواجه أحد من المسؤولين عقوبات تُذكر بسبب هذه الممارسات، في استمرار للنهج ذاته الذي كان سائدا قبل الغزو الأميركي. من الواضح أنه لا جدوى من مواصلة دعوة الحكومة العراقية لكي تعالج بنفسها الاستخدام المنهجي للتعذيب وظروف السجون اللا إنسانية.

لكن أكثر ما يدفع السلطات العراقية نحو المشاركة والتغاضي عن تفشي التعذيب في سجون البلاد هو صمت الحكومات العديدة التي تدعمها منذ سنوات إقليميا ودوليا. فالولايات المتحدة، التي زوَّدت حكومات العراق بما لا يقل عن 1.25 مليار دولار من التمويل العسكري الأجنبي منذ عام 2015، وبريطانيا وفرنسا اللتان تُقدِّمان التمويل للحكومة في بغداد من أجل مساعدتها في حربها ضد تنظيم الدولة، لم تنبس ببنت شفة حول الانتهاكات والتعذيب في ظل هيمنة أولويات أخرى مثل محاربة الإرهاب وجلب الاستقرار إلى العراق والتواؤم مع واقع سيطرة الميليشيات المدعومة في معظمها من إيران .فمع دخول العراق زمان حكم الميليشيات، يستمر تلاشي الخط الفاصل بين الدولة والعصابة وتستمر صرخات المسجونين من قلب الأماكن ذاتها..

مقالات متعلقة