بقلم| د. وليد الراوي
بالرغم مما روجت له إدارة الرئيس بوش الأبن من مبررات كاذبة لغزو العراق, فتارة أسلحة الدمار الشامل وتارة أخرى علاقة العراق بتنظيم القاعدة وأحداث 11 سبتمبر ومرة أخرى نشر الديمقراطية, كل تلك المبررات لم يثبت أي منها صحته, بل كانت ادعاءات باطلة يختبئ خلفها هدف كبير, هذه الحالة جعلتني وغيري من الباحثين في الشأن العراقي نبحث وبعمق لمعرفة دوافع بل إصرار إدارة بوش على غزو العراق, بل تدمير دولة عصرية عمرها أكثر من ثمانون عامًا .
لقد بات واضحًا من خلال البحث والتقصي ومراجعة ما كتب عن الحرب, حيث ظهر, أن الدافع العقائدي وما يؤمن به المجرم بوش, كان أساسًا لغزو للعراق .
الأساس العقائدي
إن الرئيس بوش الأب والأبن هم من البروتستانت الإنجيليين، أو ما يسمي (التحالف المسيحي) الذي يضم قرابة 20 مليون أمريكي من أكثر من 327 مليون نسمة تعداد السكان في أميركا .
حيث يؤمنون بأن العراق هو جزء من أراضي "الكتاب المقدس" لأنها الموقع الجغرافي حيث مدينة بابل وأن عودة اليهود للقدس والسيطرة على بابل (العراق) علامات على اكتمال دورة التاريخ (نهاية العالم) كما يقول القس بيلي جراهام .
وقد اعتقد بعض المحللين الأمريكيين, حرص الرئيس بوش الأب على قضاء ليلة ما قبل الحرب الأولى مع العراق (لتحرير الكويت) عام 1991 مع هذا القس بيلي جراهام, هي محاولة لإقناع الرأي العام الأمريكي أنه، أي بوش، "أحد رجال الله"، ومن ثم محاولة كسب تأييد الأصوليين البروتستانت لدعمه في الحرب على العراق.
كما قام القس بيلي جراهام في قرأت الصلاة في حفل تعيين بوش الأبن رئيسًا للولايات المتحدة ومن المسؤولين الأمريكيين في إدارته من الذين كانوا يؤمنون بنفس هذه المبادئ وليم وولفيتس ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد، ووزير العدل أشكروفت.
الرئيس بوش الأبن
ينتمي الرئيس بوش الأبن إلى نفس المعسكر، كما يأخذ نصائحه من نفس أنصار هذا اللوبي، الذي لا يعبر عن موقف غالبية الكنائس الأمريكية الكبرى التي ترفض ما ذهب إليه بوش وكنيسته .
بوش الابن - هو بروتستانتي - أنغليكاني (إنجيلي)– كان يحرص على القول خلال المناظرات الرئاسية "إن الصلاة والتدين يقويان عزمي ويمنحاني الهدوء وسط أنواء العواصف التي أشهدها في موقعي الرئاسي"، وعندما سئل عما إذا كان قد سأل أباه الرئيس الأسبق جورج بوش النصيحة قبل الحرب في العراق، أجاب الأبن قائلا: "إنني أستمد العون والقوة من الأب الأعلى".
الحملة الصليبية
في أجواء حرب العراق في ذلك الوقت ، لم ينس مؤرخون أمريكان أن يكتبوا أنها "الحرب الصليبية الخامسة" ، مثل ما كتبه (هاورد تشو ايوان) في إحدى المجلات الأمريكية المحلية بعنوان "الحرب في الخليج بمثابة صدى للحرب الصليبية الخامسة"، التي جرت في الفترة من 1217– 1221 ميلادية.
ومضى الكاتب يسرد تاريخ هذه الحرب ووقائعها، ويحذر من أن الحملة الخامسة على العالم العربي والإسلامي أيام صلاح الدين الأيوبي قد فشلت بسبب انفراط عقد التحالف بين الفرنسيين والإنجليز وباقي البلاد الأوروبية، وأن على التحالف الغربي القائم الآن في الخليج ضد العراق أن يستوعب هذا الدرس الذي قدمته لنا الحرب الصليبية الخامسة.
كما حرص بوش في حملته الانتخابية على تدشين حملته، بإعادة استخدام مصطلح "حملة صليبية" ضد الإرهاب في خطاب لجمع التمويل، وركز حزبه على ما أسماه "قيادته حملة صليبية عالمية ضد الإرهاب" .
وقد اعترف مسؤولون أميركيون, أنه بعد سنوات من دق الرئيس الأمريكي جورج بوش ناقوس الخطر في العالم الإسلامي حين أشار إلى حربه ضد الإرهاب بأنها "حرب صليبية" هذه المفردة تعني بالنسبة للعرب والمسلمين , ( الأعمال الوحشية والعدائية ضدهم ).
امتدح خطاب مارك راسيكوت رئيس الحملة الانتخابية لبوش ونائبه ديك تشيني, الرئيس بوش الأبن "لقيادته حملة صليبية عالمية ضد الإرهاب" واستشهد بأدلة على "قيادة بوش القوية الثابتة في الأوقات العصيبة.
غير أن كلمة "حملة صليبية" تعيد إلى الأذهان ما يعتبر صدمة تاريخية بالنسبة للعالم الإسلامي الذي حاصره المشاركون في الحملات الصليبية من أوروبا في العصور الوسطى.
في الأسابيع التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر أيلول عام 2001 على نيويورك وواشنطن, تسبب بوش في ثورة عارمة حين قال للصحفيين "هذه الحملة الصليبية... هذه الحرب على الإرهاب ستستغرق فترة من الوقت".
وبعد مواجهته لحالة من القلق أصابت العالم بسبب هذا التصريح, أعلن البيت الأبيض في وقت لاحق أن بوش يشعر بالأسف لاستخدامه هذا التعبير.
في مسعى من قبل الرئيس بوش الابن, حين سعى لخطب ود الأمريكان في حملته لاحتلال العراق, حيث استخدم عبارات دينية، ومنها قوله المشهور بتقسيم العالم إلى محور خير ومحور شر، على غرار ما ورد في بعض كتب الإنجيل.
رامسفيلد – وزير الدفاع الأمريكي
استخدم رامسفيلد مقاطع من التوراة والإنجيل في تقارير استخبارية عن غزو العراق.
حيث كشفت مجلة «ج. كيو» في شهر مايو 2009 أن وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد استخدم مقاطع من الإنجيل والتوراة في وثائق استخباراتية خاصة بالبيت الأبيض.
وذكرت المجلة, أن رامسفيلد, أرفق صوراً للقوات الأميركية في العراق بهذه المقاطع لإرضاء الرئيس الأميركي جورج بوش.
كما نشرت صورة أخرى للقوات الأميركية في الصحراء، وضع تحتها مقطع من التوراة "لإشعيا" يقول (سهامها مسنونة وكل قسيها مشدودة.. حوافر خيلها كالصوان وعجلات ركبتها كالزوبعة).
إن رامسفيلد، وخلافاً لبوش، لم يكن ملتزماً دينياً، وقال إن فكرة استخدام المقاطع الدينية تعود لمدير استخبارات يعمل في البنتاغون أن ((خلط التقارير الاستخباراتية بالاستعارات الدينية حمل توقيع رجل واحد هو دونالد رامسفيلد)).
توني بلير – رئيس وزراء بريطانيا
"العناد والعقيدة المسيحية" لرئيس وزراء بريطانيا السابق توني بلير, كانا وراء قراره غزو العراق في عام 2003"., هكذا قال السير "أنتوني سيلدون"، كاتب السيرة الذاتية لتوني بلير لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية، مشيرًا ضمنًا إلى أحد أسباب مشاركة بلير وبوش في تدمير العراق.
الرئيس الفرنسي جاك شيراك
يوضح الكتاب الصادر عام 2003 ملف الحرب المدمرة التي شنها الرئيس بوش الأبن على العراق وخلفت حوالي المليوني ضحية وأطاحت بالرئيس صدام حسين وغيرت إلى أجيال طبيعة العلاقات والتوازنات في كل الشرق الأوسط, حيث وقف الرئيس بوش قبيل مغادرته البيت الأبيض ليعترف بأن المعلومات التي توفرت لديه عن العراق كانت مغلوطة وبأن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل , أما الذي وقع منذ 2003 إلى هذا اليوم , فهو , تدمير دولة عمرها أكثر من ثمانون عامًا .
الكتاب الذي صدر في فرنسا بعنوان (سوف أنشر تكذيبا لو كررتم الخبر) بقلم الصحفي الفرنسي جون كلود موريس مدير تحرير (جورنال دي ديمانش) الأسبوعية والكتاب صادر عن مؤسسة (بلون) للنشر في 300 صفحة وفيه تم نقل لأحاديث مطولة أجراها الصحفي مع الرئيس الفرنسي السابق السيد جاك شيراك أثناء عشرة لقاءات جمعته به خلال سنة 2003, أي سنة الغزو الأمريكي على العراق والتي رفض الرئيس شيراك المشاركة فيها.
وفي هذه الأحاديث نلاحظ موقف الرئيس الفرنسي جاك شيراك المندهش من تبرير الرئيس بوش الأبن عن إصراره لغزو العراق عام 2003.
كان الرئيس بوش الأبن أخبر الرئيس شيراك بالهاتف قبل شهر من دخول القوات الأمريكية إلى بغداد.
حيث كان يريد إقناع الرئيس شيراك بالانضمام للتحالف الغربي المقاتل في العراق، ولكن الرئيس شيراك لم يصدق (أذنيه) وهو يسمع صوت بوش في الهاتف يقول له بالضبط, إنه تلقى وحيًا من السماء لإعلان الحرب على العراق, لأن يأجوج و مأجوج انبعثا في الشرق الأوسط للقضاء على الغرب المسيحي .
وأضاف الرئيس بوش (إن هذا يعني بأن نبوءة الإنجيل حول يأجوج ومأجوج بصدد التحقيق هناك)
ويقول الصحفي الفرنسي, إن الرئيس شيراك كاد لا يصدق ما يسمعه، فهو يعرف بأن الرئيس دابليو بوش متدين لكنه أصيب بالذهول حين أدرك درجة التردي التي يمكن أن يسقط فيها رئيس أعظم قوة عسكرية في العالم .
إن الرئيس شيراك بعد هذه المكالمة الغريبة التي لم يعلق خلالها على كلام بوش، بل أصر على فهم أعمق لمعنى يأجوج ومأجوج، فدعا أقرب مستشاريه وأعلمهم بمحتوى المكالمة البوشية وطلب إليهم تحرير نص يشرح له يأجوج ومأجوج وبالطبع ضحك المستشارون واندهشوا لكنهم قدموا بعد ذلك للرئيس شيراك لمحة عن ذكر الإنجيل ليأجوج ومأجوج.
ويواصل الكاتب التعليق على الحادثة (بل الكارثة) فيقول: بعد يوم واحد من المكالمة الهاتفية العجيبة شاهد الرئيس شيراك على شاشة التلفزيون نظيره الأمريكي بوش يكرر نفس عبارات يأجوج ومأجوج في مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض وفي هذا المؤتمر نطق بوش بعبارة (محور الشر).
مما تقدم, يتضح للقارئ الكريم حقيقة دوافع الرئيس بوش الأبن في احتلاله للعراق عام 2003, دوافع عقائدية دينية يؤمن بها مع قيادات في إدارته, أطر أهدافهم الإجرامية بأطر دينية يؤمن بها القلة من الشعب الأمريكية وكذلك الشعوب الغربية .
وعند مقارنة نتائج غزو العراق , مع الأهداف العقائدية, يتضح بصورة جلية من أن تدمير دولة كان يحسب لها حساب في معادلة الصراع العربي - الصهبوني كان هو الهدف الأساس للغزو .