بقلم| صباح الناصري
(أستاذ الاقتصاد السياسي)
العقوبات الأحادية والإكراه الاقتصادي والفصل عن السوق الدولية (الأسواق المالية ضمنا) وتعطيل سلاسل التوريد، جهود الغرب لعرقلة نمو ومنافسة من يهدد هيمنة أمريكا وأوروبا الغربية على الاقتصاد الدولي، ذلك يتضمن افتعال والاستثمار في النزاعات والحروب من أجل التدخل المباشر إن تطلب الأمر!
حقول النفط والغاز في الخليج العربي والعراق والحقول النفطية الإسرائيلية والغاز في البحر المتوسط تصنفها أمريكا "المصلحة القومية لأمريكا" لدعم أوروبا في التخلّي عن الطاقة من روسيا والاعتماد كليا على الطاقة في الشرق الأوسط. لذلك تتدخل أمريكا وأوروبا بشكل مباشر في حرب إسرائيل على غزة وتجرم أي شكل من الاحتجاج والنقد والاعتراض على سياساتهم المنحازة لإسرائيل لأنهم يدركون عواقب خروج الأمور عن سيطرتهم وكيف سيصب ضياع هيمنتهم على المنطقة في مصلحة روسيا والصين.
تفعيل إحداثيات لاهوتية لصراع الحضارات الاستعماري في غزة هو وسيلة للحفاظ على هيمنة الغرب على العالم وتأخير صعود قوى منافسة على الساحة الدولية. رد الفعل المهووس الانفعالي وفبركة الأخبار الكاذبة وتحشيد ماكنة عسكرية عظمى التي لا تتناسب مع حجم الحدث تشير إلى أنهم شعروا أن هناك تهديدًا لهيمنتهم تحت سطح الصراع المحلي. استشفوا ذبذبات حرب أوكرانيا في المنطقة، ذبذبات مهددة لإستراتيجية الغرب على إبقاء حرب أوكرانيا على الحدود الروسية. هذه الذبذبات أثارت قلق الغرب لأنها تفصح عن فشل احتواء الحرب الأوكرانية وتداعياتها الجيوسياسية من ناحية، ومن ناحية أخرى ذبذبات تنذر بإضعاف وجود الناتو وتهديد مصالحه في المنطقة كونها مؤشر على إمكانية تطور الحرب على غزة إلى مستويات وأصعدة تتجاوز إمكانية الغرب في احتوائها. الأخير يعني استدارج الغرب لحرب استنزاف كما فعل الغرب مع روسيا في أوكرانيا.
إذن، نحن بصدد حروب استنزاف نهاياتها مجهولة المعالم تماما كما شاهدنا مع ما تسمى الحرب على الإرهاب، حرب مفتوحة من أجل الحرب، أي ليس لأهداف إستراتيجية، إنما الإستراتيجية هي الحرب.
الغرب يتوجس من يد بوتين الخفية في هذه الحرب حيث، حسب تصورات الغرب، أن بوتين لن يمرر محاولة الغرب لإستدراجه لحرب استنزاف في أوكرانيا من خلال توسع شبح الناتو على حدود روسيا، وأيضا لتوظيف فاغنر للانقلاب عليه!
اذن، نحن بصدد الرجوع إلى مستقبل الماضي، منعطف تأريخي لسردية قرن سايكس بيكو: المنطقة ليست هي ذات المنطقة بعد السابع من تشرين ٢٠٢٣! قلنا سابقا إن التهدئة والتطبيع ليست مؤشرا على الاستقرار بل على التصعيد وإن السلم يكون حربا بوسائل أخرى أحيانا!
نهاية التأريخ (فوكوياما)، الأصح، نهاية تأريخ هيمنة أمريكا وأوروبا على العالم قد تكون أسرع مما تمناه صاحب مقولة نهاية التأريخ. نحن لا نعيش في أوقات ليبرالية ديموقراطية، إنما في أزمان الانحدار إلى البربرية القسرية مشرعنة من خلال ميتافيزيقية انتهازية: إما أن تكون مع الغرب "المتحضر" أو الدمار المتحضر!
الغرب قد يدفع ثمن عنجهية قوته لتخبط سياساته العشوائية ولمراهنته على حليف، إسرائيل، لم يعد سوى ظل نفسه!