الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

مقالات إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد الثورة السورية

إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد الثورة السورية

أ. عبدالله سلمان

إن انتصار الشعب السوري فرض واقعًا إستراتيجيًا جديدًا في المنطقة، حيث شهدت موازين القوى تحولا جذريًا بعد أن تلقت إيران صاحبة المشروع التوسعي في المنطقة هزيمة في أحد أقوى محاور نفوذها وهو المحور السوري. كان هذا المحور يمثل الجسر الحيوي الذي يربط بين العراق ولبنان ومع فقدانه، فقد المشروع الإيراني واحدًا من أهم أعمدة بنائه؛ مما فتح الباب أمام صعود لاعبين إقليميين جدد أعادوا تشكيل خارطة النفوذ في المنطقة، هذا الانتصار جاء تزامنا مع هزيمة حزب الله في مواجهته مع الكيان الصهيوني قبيل قرار ثوار سوريا تحرير البلاد بشكل كامل من نظام الأسد.

وهزيمته جاءت في سياق بدء تراجع الدعم الإيراني نتيجة الضغوط الإقليمية والدولية، ومع تصاعد وتيرة الثورة السورية وانشغال إيران في الحفاظ على نفوذها داخل سوريا مما انعكس بشكل واضح على الحزب، فقد تسبب فقدان إيران للمحور السوري الذي كان يُمثل شريانًا إستراتيجيًا لها ولحزب الله في زعزعة استقرار الحزب نفسيًا وسياسيًا. ونتيجة لذلك تراجعت معنويات مقاتليه وبدأت الحاضنة الشعبية في التصدع متأثرة بخذلان إيران وتركيزها على معركة البقاء في سوريا بدلاً من دعم حلفائها التقليديين

وكانت المنطقة تعاني من فراغ إستراتيجي دولي وإقليمي منذ احتلال العراق عام 2003 حيث أدى سقوط الدولة العراقية كقوة مركزية إلى تصاعد التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة. هذا الفراغ تفاقم بسبب غياب مشاريع إقليمية عربية قادرة على ملء هذا الدور، فضلاً عن غياب إستراتيجية دولية واضحة لحل أزمات المنطقة بشكل جذري وفعال. وبدلاً من ذلك اعتمدت القوى الدولية والإقليمية على معالجة الأزمات بشكل وقتي ومحدود؛ مما سمح بتمدد مشاريع توسعية مثل المشروع الإيراني الذي استغل هذا الفراغ لتعزيز نفوذه في العراق وسوريا ولبنان. ومع مرور الوقت أصبح هذا النهج المؤقت في التعامل مع أزمات المنطقة أحد أبرز أسباب تفاقمها حيث غابت الحلول المستدامة وازدادت الأزمات تعقيدًا ما جعل المنطقة عرضة لاضطرابات مستمرة وصراعات متعددة الأبعاد.

وقد استخدمت إيران كل أدواتها المتاحة لتفعيل دورها الإقليمي ومدّ نفوذها إلى عواصم عربية إستراتيجية مثل بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء معتمدة على إستراتيجية متعددة الأبعاد تمزج بين القوة العسكرية من خلال وكلائها المسلحين مثل الميليشيات الطائفية وبين الدبلوماسية الناعمة التي وظفتها ببراعة مع الدول البعيدة جغرافيًا عن محيطها العربي، كانت إيران في طريقها لوضع طوق أمني حول الجوار العربي من خلال السيطرة على مراكز القرار في تلك العواصم وتحويلها إلى أدوات في مشروعها التوسعي.

هذا النهج أتاح لها فرض معادلات جديدة في المنطقة واستغلال الفراغ الإستراتيجي الناجم عن غياب المشاريع الإقليمية العربية وعدم وجود رؤية دولية شاملة للتعامل مع أزمات المنطقة.

ومع سقوط نظام بشار الأسد وانهيار النفوذ الإيراني الذي كان يهيمن على سوريا برز الدور التركي والسعودي بشكل فعال في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية ومواجهة الفراغ السياسي والإستراتيجي الذي خلفه هذا السقوط.

وعلى الرغم من اختلاف أولويات كل من تركيا والسعودية، إلا أن سقوط الأسد جمعهما في إطار هدف مشترك يتمثل في تقليص النفوذ الإيراني وإعادة التوازن إلى المنطقة. تركيا ركزت على أمنها القومي وإبعاد خطر المنظمات الكردية بإجراءات عسكرية وقائية ونفذت دبلوماسية تخادمية حيث حشدت الدعم الإقليمي والدولي لصالح الثورة السورية وقدمت لأوربا رؤيتها للمنطقة ومحاربة الإرهاب، بينما ركزت السعودية على مواجهة التمدد الإيراني وتعزيز نفوذها الإقليمي وقدمت الدعم المالي والإغاثي الإنساني والدبلوماسي للثورة السورية

هذا الدور المزدوج والتكامل الضمني بين البلدين أعاد رسم خارطة التفاعلات الإقليمية في مرحلة ما بعد الأسد وأدى إلى بروز حقبة جديدة في المنطقة تتسم بتوازن قوى أكثر ديناميكية يعتمد على تعدد اللاعبين الإقليميين بدلاً من الهيمنة الأحادية التي كانت لإيران.

في خضم التحولات السياسية التي أعقبت الثورة السورية برزت محاولات من بعض القوى الإقليمية لتشويه صورة الثورة والنيل منها عبر إضفاء صفة الإرهاب عليها، هذه القوى بدلاً من دعم تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة عمدت إلى التدخل في الشأن السوري بدوافع وحسابات خاصة بها متذرعة بذرائع الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب.

وهذه الإستراتيجية التي تهدف ظاهريًا إلى تحقيق الاستقرار، ولكنها تساهم في زعزعة أمن المنطقة بأسرها وأعطت صورة خاطئة للمجتمع الدولي بأن المنطقة غارقة في التوترات ومخاطر الإرهاب المستمرة، ومن خلال تضخيم هذه الصورة استطاعت تلك القوى إعادة توجيه الاهتمام الدولي بعيدًا عن مطالب الشعوب المحقة واستخدام المخاوف الأمنية كذريعة لتعزيز نفوذها ومصالحها على حساب استقرار المنطقة ومستقبلها.

هذه السياسات الملتوية لم تكن إلا دعوة مفتوحة لتفاقم التوترات في المنطقة، حيث أن تعزيز الانقسامات الداخلية وشيطنة الحراك الشعبي والثورات لم ينتج عنه إلا مزيدا من الأزمات مما يجعل الحاجة إلى حلول سياسية عادلة وشاملة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

وعلى الصعيد العراقي فإن هزيمة المشروع الإيراني في سوريا شكّلت نقطة تحوّل كبيرة في المزاج الشعبي والسياسي داخل العراق وأعطت دفعة قوية للأمل بإمكانية التغيير الثوري وإنهاء النفوذ الإيراني ومليشياته المتغلغلة في البلاد منذ احتلال العراق عام 2003 واستغلال إيران للفراغ الإستراتيجي في العراق لتعزيز مشروعها التوسعي عبر دعم الميليشيات المسلحة وترسيخ نفوذها في مؤسسات الدولة العراقية لكن التطورات في سوريا أظهرت ضعف المشروع الإيراني وهشاشته عندما يواجه مقاومة شعبية وثورية حقيقية.

لقد أظهرت هزيمة المشروع الإيراني في سوريا أن التغيير الثوري ممكن في العراق وأن زمن الهيمنة الإيرانية المطلقة قد ولى، والشعب العراقي بات أكثر إصرارًا على استعادة دولته من قبضة الميليشيات والتدخلات الخارجية وبدأت ملامح مشروع وطني جديد تتبلور مما يجعل العراق أمام فرصة تاريخية للخروج من عباءة التبعية وأن هذه الهزيمة فتحت الباب أمام القوى الوطنية العراقية لتوحيد صفوفها والعمل على صياغة مشروع وطني شامل يعيد للعراق سيادته واستقلالية قراره السياسي. ومع تضاؤل النفوذ الإيراني تعزز طموح القوى الوطنية لبناء عراق خالٍ من التبعية الخارجية مستفيدة من الزخم الشعبي والرغبة في إنهاء الفساد والتدخلات الخارجية.

إن انتصار الثورة السورية لم يكن مجرد حدث محلي بل نقطة تحول إستراتيجية أعادت رسم خارطة النفوذ في المنطقة. فقد أدى هذا الانتصار إلى زعزعة المشاريع التوسعية التي اعتمدت على استغلال الفراغات السياسية والإقليمية وفتح المجال أمام صعود قوى إقليمية جديدة تعيد ترتيب الأولويات في المنطقة، كما عزز من روح الأمل لدى الشعوب العربية التي رأت في هذا الانتصار نموذجًا لإمكانية التغيير الثوري واستعادة السيادة الوطنية.

من جهة أخرى فرضت هذه المتغيرات تحديات كبرى على القوى الإقليمية والدولية التي باتت مجبرة على إعادة تقييم سياساتها تجاه المنطقة حيث لم يعد ممكنًا التعامل معها وفق المعادلات القديمة التي تقوم على استدامة الأزمات وإدارة الصراعات وقتيًا. اليوم تقف المنطقة أمام مرحلة جديدة من التوازنات تتطلب تعزيز مشاريع سياسية وطنية تعبر عن تطلعات الشعوب بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي كانت سببًا رئيسيًا في زعزعة الاستقرار.

ومع هذه التحولات يبدو أن مستقبل المنطقة سيعتمد قدرة الشعوب والدول على البناء على هذه الانتصارات لتعزيز الاستقلال الوطني والتوجه نحو حلول سياسية تحترم إرادة الشعوب وتقطع الطريق أمام أي محاولات جديدة لإعادة إنتاج مشاريع الهيمنة الإقليمية.


مقالات متعلقة