تقرير| حقوق الإنسان المسلوبة في العراق ليست مجرد أرقام
د. فاطمة العاني (عضو لجنة حقوق الإنسان في الميثاق)
نعم ليس كذلك بل هي مآسي والآم تعجز عن وصفها الروايات يعاني منها العراقيون، فما بين قتل واعتقال وتهجير وتكميم الأفواه هناك تفاصيل عاشتها وتعيشها أفراد وجماعات، والأنكى
والأَمر أن لا حكومة منذ احتلال العراق عام 2003 إلا وساهمت في زيادة مأساوية الحالة. والعجيب إنه حتى هذه الأرقام هي أقل بكثير من النسب الحقيقية ولا تصل إلى نسبة العشر من الأرقام الحقيقية على الرغم من أن الدول التي شاركت وساهمت في غزو العراق هي دول يتمتع مواطنوها بحقوقهم وبالتالي فإنهم لابد وأن يساعدوا في الوصول إلى حقيقة الوضع في العراق أو على الأقل إلى مقاربة للحقيقة, بل على العكس نرى أن تقاريرهم تفتقر إلى الدقة ومنها على سبيل المثال هو تقديرهم لأعداد القتلى جراء القصف الجوي فإن تقدير أعداد القتلى يتم من الجو وليس على أساس التحقيقات على الأرض, كما أن هذه الدول هي بنفسها قامت بالمصادقة على إرسال بعثة يوناني, والتي (همها وشغلها الشاغل) المراقبة والمساهمة في تحسين الحالة الحقوقية في العراق ومع ذلك الوضع يستمر بالتدهور من سيء إلى أسوء. ثم ما الذي قامت به السلطات التي نصبها الاحتلال الأمريكي وأطلقت عليها تسمية الحكومة والتي يتكون أعضاؤها من أفرد يطلقون على أنفسهم اسم معارضون ويزعمون أنهم عانوا من ظلم وجور كبيرين, فلم نرى منهم إلا الإهمال والانتقام من الشعب العراقي، بل وتفريخ لميليشيات مسلحة استولت على الحكم بقوة السلاح وعشعشت في مفاصل الدولة لكي تمارس إرهابها وتسلطها وبالتالي انحدر العراق إلى مهاوي سحيقة من الدمار .لم تتبقى أي من المنظمات والمراكز والهيئات وغيرها المعنية بحقوق الإنسان وحتى غير المعنية منها إلا ورصدت الأوضاع في العراق وأيضا دون جدوى
تسعة عشر عاما مضت منذ احتلال العراق ولكم أن تتصوروا أن لا إحصائيات دقيقة لأعداد القتلى، واختلفت التقديرات بصورة كبيرة لأسباب كثيرة، ومع ذلك فإنه من المؤكد أن ما لا يقل عن مليون إنسان قد قتلوا بسبب العمليات العسكرية أو التفجيرات الدموية وغيرها.
أما القضية التي تدمي القلب هي الإخفاء القسري الذي أدى إلى أن يتربع العراق على عرش البلد الأعلى في أعداد المخفيين قسريا بعدد يقرب من المليون مخفي لا يعرف مصيرهم، ومن المرجح أن مصير المخفيين هو القبور الجماعية التي سوف تستفيد منها أقطاب السلطة في العراق للترويج للقبور الجماعية لما قبل عام 2003 أو ضحايا الجماعات الإرهابية، بطريقة اكذب اكذب حتى يصدقوك. ومع ذلك فإن أعداد المخفيين إذا ثبت موتهم يعني زيادة في أعداد القتلى، المنافسة حامية على التربع على عرش الرقم الأعلى. برغم ذلك فإن هناك شهادات على الإخفاء القسري الذي قامت به الحكومة وميليشياتها أثناء العمليات العسكرية عام 2014 خاصة محافظة الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى ومناطق حزام بغداد وغيرها ... حتى اللجنة المعنية بالإخفاء القسري التابعة لمجلس حقوق الإنسان عاجزة عن الحصول على إجابات من السلطات العراقية بشأن البلاغات العاجلة التي تصل إليها من ذوي المخفيين, وأستطيع أن أوكد ذلك من خلال بعض الحالات, فالسلطات في العراق قد افتضح أمرها وهذه سنوات والأمم المتحدة تحاول من أجل أن تتحاور مع العراق بشأن هذا الملف وتوجيه العراق في سبيل وضع حد للمماطلات والتلاعب فالقضية افتضحت ولم يعد هناك شك بأن لا أحد يستطيع أن يغطي فم بركان المآسي, وأصبحت اللغة السائدة وراء الكواليس أن تقارير العراق حبر على ورق, حتى وصل مستوى السخرية والاستهزاء أن يتم سؤال العراق عن مستوى التحصيل العلمي للأشخاص الذين يحتلون مناصب قضائية ومن أي الجامعات أو المعاهد قد تخرجوا وكأنهم يلمحون إلى الشهادات المزورة.
لا تقتصر القضايا على القتلى والمخفيين، فلنرجع إلى الأحياء منهم والذين نعرف أماكن احتجازهم، السجون وضعوا تحتها ألف خط وحتى علامات حمراء، نعم أماكن للتعذيب والتصفية وليست سجونا للإصلاح وإعادة التأهيل، أو حتى على الأقل لحماية المجتمع عن طريق حجز ومعاقبة المجرمين. عصابات وإقطاعيات تسيطر على السجون، ميليشيات وأحزاب تعبث بأجساد المحتجزين وكأن هذه السجون معمل لاختبار صنوف معروفة وغير معروفة من العذاب ووصل التعذيب حتى إلى ذوي المحتجزين، وباعتراف حتى من هم في ما يسمى مجلس النواب. وتم ابتداع طريقة مخزية وهي اعتقال النساء بذريعة أن أحد أفراد أسرتها أو حتى قبيلتها من الأخوال الأباعد متهم بالإرهاب، طبعا هذا إذا لم يفلحوا في تلفيق تهمة كيدية أو لم يكن هناك مخبر سري يلفق تهمة لأحد الأبرياء. وكم من بريء تمت تصفيته قبل يوم إطلاق السراح، وكم من سجين مات بسبب الاكتظاظ والأمراض، بل إنهم محرومون حتى من الدواء، وكم من محتجز بريء مات دون وجود دليل ولو ورقة على اعتقاله وتمت تصفيته على يد القوات الأمنية والميليشيات، ولا يعرف أهله مصيره، فقط يعرفون أنه خرج للعمل أو لزيارة أقاربه في بغداد، أو ربما كان هاربا من الإرهاب لكي تتلقفه يد الإرهاب الأخرى، أما أعداد المحتجزين في السجون التي تصرح بها السلطات فمن المؤكد أن في السجون التابعة لدائرة الإصلاح حتى عام 2021 كان أكثر من 76 ألف سجين بينهم ثلاثة آلاف امرأة تقريبا وألفان من الذين تحت سن 18 عام، وهناك أعداد أخرى غير معلومة فيما يسمى بالسجون السرية، والتي لا نملك عنها أي معلومات إلا من بعض الشهود.
لم تنته القضايا عند هذا الحد, أين إذا حرية التعبير التي جاءت على الدبابة الأمريكية, الجواب ببساطة في خبر كان, وآخر الشواهد هي التظاهرات والاعتصامات السلمية, كم من مجازر وجرائم قامت بها القوات الأمنية التي يجب عليها حماية المتظاهرين, أمثلة للتذكير فقط، مجزرة الحويجة وكيف تم التنكيل حتى بالقتلى, نذكر الهجوم على الاعتصامات في الأنبار وتفريقهم بالقوة, تظاهرات أكتوبر 2019 التي تم توثيقها من قبل العديد من الجهات, وأمام أنظار العالم شاهدنا كيف استخدمت القوات الأمنية القوة المفرطة لأن المتظاهرين خرجوا يتظاهرون سلميا ضد الفساد, وأيضا الصور البشعة لقنابل الغازات المسيلة للدموع وهي تخترق جماجم الشباب, اختطاف الناشطين وقتلهم ورمي جثثهم لإرهاب المتظاهرين, إرهاب النساء بمختلف الوسائل من لمنعهن من المشاركة في الاحتجاجات, المجازر التي قامت بها المليشيات ضد الشباب جملة وفرادى والقتل والاختطاف برعاية القوات الحكومية. ولم تسلم القنوات الإعلامية أو الصحفيين فقد أخذوا نصيبهم من القتل والتنكيل والإرهاب، وسيبقى الصحفي أحمد عبد الصمد وزميله المصور من أقوى الشواهد على جرائم الميليشيات ضد كل من يفضح الظلم في العراق.
وهنا نطرح سؤالا مهما: هل هناك انتخابات ديمقراطية في العراق؟ الجواب بكل بساطة لا يوجد بل إن أصوات الناخبين تداس بالأقدام من أجل أن يستمر الفاسدين, فعندما يقرر رأس الفساد أن يستمر في الحكم فلا مانع لديه من التلاعب حتى بالقوانين ويحورها من أجل أهدافه, وكان ذلك واضحا في انتخابات عام 2010 عندما استولى المالكي على السلطة رغم عدم فوزه بالانتخابات, وحتى إذا رفض الشعب التصويت في الانتخابات فإن الأحزاب والمليشيات المسلحة لا تهتم لذلك ولا حتى تستحي أن تستمر بالسلطة, لأن شغلهم الشاغل هو المكاسب والمنافع الشخصية ويسلكون لذلك كافة السبل, إضافة إلى الدعم الخارجي الذي يصلهم وخاصة من إيران وأمريكا من أجل مصالحهم وأهدافهم في العراق والمنطقة
الحق في الأمن والأمان ومن بينها الأمن الغذائي، جميعها يفتقر إليها العراقيون، فحدود العراق مباحة لكل من هب ودب لمن يريد أن ينتمي إلى المليشيات أو يفجر العبوات على الناس، لتجار الحروب والبشر، أو لمهربي المخدرات التي أفسدت أجساد الشباب، وحتى موردو المحاصيل الفاسدة الذين يعبثون بصحة الشعوب. يحاول العراقيون أن يؤمنوا المحاصيل الغذائية التي تضمن استمرار حياتهم وتصل بالعراق إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي وبالتالي تحميهم من شرور الاستغلال ولكن هناك من سعى إلى تدمير الزراعة (والتي هي الصناعة الأولية) بكافة الأساليب من أجل أن يضمن استفادة دول الجوار ويستمر استيراد الأغذية الفاسدة وبأسعار ليست في متناول يد الفقراء، وبالتالي تنتهي أسطورة الأمن الغذائي في العراق. تكاثرت القوات الحكومية وميليشياتها ولم يستطيعوا الوصول بالعراق إلى بر الأمان
الحق في التعليم، والذي لأجله قامت الحكومات الوطنية قبل الاحتلال بسن قانون مجانية وإلزامية التعليم لكي تضمن لكل طفل الحق في الحصول على تعليم يكون سلاحا له يحميه من الانزلاق في مهاوي الجريمة واحضان العصابات. وصل عدد الأطفال المتسربين من المدارس إلى أكثر من ثلاثة ملايين طفل وأصبح منظر الأطفال في الشوارع (شيء طبيعي) , ولا نجد أي تحرك من الجهات المسؤولة عن تطبيق هذا القانون أي تحرك فعلي, بل على العكس تقوم الحكومة بحرمان الأطفال من الوثائق الثبوتية وهنا نتحدث عن النازحين بحجج واهية دون الاكتراث بمصير الأطفال الذين سوف لن يتمكنوا من الدخول إلى المدارس, فنصف عدد الأطفال النازحين لا يستطيعون الحصول على التعليم. إهمال الجانب التعليمي يتركز في جانبين: إهمال البنى التحتية المخصصة للتعليم وخاصة الأبنية المدرسية ومن الجانب الآخر عدم تخصيص جزء كافي من الميزانية لأجل تطوير قطاع التعليم. وهناك عوامل أخرى تعمل في خدمة تدمير التعليم من خلال اتساع الاهتمام بالتعليم الخاص من مدارس وجامعات على حساب التعليم الحكومية، إضافة إلى إهمال جوانب تدريب وتطوير الكوادر، وتوفير ما يلزم من أساليب لتشجيع الكوادر العلمية والتعليمية لمواصلة العمل في هذا القطاع المهم.
هل انتهت الحقوق المنهوبة؟ لا ولن تنتهي لأن مشكلة العراق تكمن في السلطة أو ما تسمى بالحكومات التي تفتقر لأي مبدأ أو عقيدة وطنية تريد الخير لشعبها وبدون تمييز، فالحكومة التي تطلق يد المجرمين والفاسدين وتتقوى على الضعفاء والمساكين أيضا لا تريد الخير لرعيتها. حقوق الإنسان في العراق مشكلتها هي في عدم التزام العراق بحقوق المواطنين ولذلك فإن الانتهاكات سوف تستمر، وسوف تبقى دائرة الشرور تدور على الحقوق، إلى أن تتحول الأرقام إلى منطلق وقاعدة لحل جميع القضايا الحقوقية واسترجاع لكرامة كل مظلوم، وعدالة يستظل في ظلالها الضعفاء.