الميثاق الوطني العراقي

The Iraqi National Charter

السياسية جدوى الانتخابات المبكرة في ظل الميليشيات


شاهو القره داغي

حدد رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي يوم السادس من حزيران /يونيو من العام المقبل 2021 موعداً لإجراء الانتخابات العامة البرلمانية المُبكرة في العراق وبحضور مراقبين دوليين.

وفور صدور قرار الكاظمي ، انقسمت الكتل السياسية بين مؤيد للقرار باعتباره من ضمن مطالب ثورة تشرين و شرطاً رئيسياً للتغيير السياسي، وبين معارض للقرار وخاصة الأطراف الموالية لإيران من تحالف الفتح و دولة القانون التي أكدت على ضرورة إجراء الانتخابات في موعد أبكر من الموعد المحدد.

وأكد المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي أحمد ملا طلال بأن الحكومة العراقية سوف تسعى لإجراء العملية الانتخابية بعيداً عن المال السياسي و السلاح المنفلت، و تحديد موعد الانتخابات المبكرة جاء بعد دراسة مستفيضة لتلبية الإرادة الشعبية و رغبة المرجعية الدينية في النجف.

تعتبر الانتخابات أهم وسيلة لتجسيد إرادة المواطنين و إحداث التغيير السلمي و التأثير في الطبقة السياسية الحاكمة ، بشرط توفر عدة عناصر رئيسية منها الحرية الكاملة للمواطنين في التصويت دون أي تأثير من عوامل خارجية ، و النزاهة في فرز الأصوات دون أي تلاعب او غش او تزوير للنتائج ، إضافة إلى توفير الفرص المتساوية للجميع لأجل الدخول إلى عملية الانتخابات، لضمان تحقيق الأهداف الرئيسية للانتخابات.

لم يشهد العراق انتخابات نزيهة في ظل النظام السياسي الحالي الذي تأسس بعد عام 2003 ، حيث كانت الانتخابات تجري في أجواء من الفوضى وغياب الاستقرار وانعدام الأمان و فوضى السلاح و سيطرة الميليشيات وانتشارها داخل المدن، بحيث لا يقتصر الانتخابات عن كونها عملية لإعادة تدوير الفساد والفاسدين ، أو كما يقول كارل ماركس :” يسمح للمظلومين كل بضع سنوات، بأن يختاروا نواب عنهم من الطبقة التي تضطهدهم ، ليمثلوهم و يقمعوهم.”

الانتخابات المبكرة او حل الميليشيات؟

من المستبعد إجراء انتخابات نزيهة في ظل فوضى السلاح و انتشار الميليشيات في المدن العراقية ، ومن المتوقع ان تتكرر تجربة انتخابات عام 2018 مع أي انتخابات مبكرة او دورية قادمة، حيث نجحت العديد من الميليشيات في إرسال ممثليها إلى البرلمان والحصول على غطاء شرعي وسياسي لنشاطاتها الميليشياوية بسبب السيطرة الأمنية والعسكرية و الاقتصادية على العديد من المحافظات العراقية و التأثير على إرادة الناخبين ودفعهم إلى المقاطعة للتلاعب بالنتائج بحرية كاملة ، مع خشية الجهات الرقابية عن تسجيل الخروقات خوفاً من انتقام الميليشيات بسبب تراجع قوة الدولة وعجزها عن فرض القوانين على هذه الجماعات.

إذا تم اجراء استفتاء شعبي في الوقت الحالي يُخير العراقيين بين الانتخابات المبكرة او التخلص من المليشيات المنفلتة، فإن الأغلبية وبدون أي تردد ستختار الخيار الثاني وهو إبعاد الميليشيات و التخلص من نفوذها لتوفير البيئة الآمنة للانتخابات لاحقاً، ولكن بدون اتخاذ هذا القرار الجوهري من الصعب أن يتحقق أهداف حراك تشرين او باقي المطالب الجماهيرية التي خرج من أجلها الملايين إلى الشوارع .

يربط زعيم ميليشيات عصائب أهل الحق “قيس الخزعلي” إخراج السلاح الميليشياوي من المدن بإخراج السلاح الأمريكي في العراق، ولكن ليس هناك أي ضمان لتحقيق هذا الكلام، حيث أن الميليشيات كانت تتعهد بترك السلاح عام 2011 ولكن بعد انسحاب القوات الامريكية من العراق زادت نشاط الميليشيات وانتشرت بشكل أوسع و شكلت عدد أكبر من المجاميع و الفصائل والعصابات المسلحة التي تسببت في النهاية بظهور تنظيم داعش و تدمير العديد من المحافظات العراقية نتيجة السياسات الطائفية.

سلاح الميليشيات هو الضمان الوحيد للعديد من الأحزاب و السياسيين لاستمرار وبقاء السرقات و السيطرة الاقتصادية على المدن و المعابر الحدودية ، ومن الصعب أن يتخلى الأحزاب والميليشيات عن الاذرع المسلحة التي تمنحهم العديد من الامتيازات و الحصانة من المحاسبة القانونية .

إصرار الأطراف الموالية لإيران والميليشيات الولائية على اجراء الانتخابات المبكرة في موعد مبكر مؤشر واضح على استعداد هذه الأطراف لخوض الانتخابات و تجهيز كافة وسائل التزوير و التلاعب لضمان الحصول على نسبة أعلى من المقاعد في الانتخابات القادمة لضمان عدم خسارة ثقلها الحالي في البرلمان و لبقاء نفوذها السياسي و الاقتصادي و الأمني مستقبلاً.

تضاؤل الآمال بمخرجات صناديق الاقتراع

كلما تعاظمت قوة اللادولة و تراجعت قوة الدولة كلما انخفضت قيمة الانتخابات ، وحتى الآن لم تقدم حكومة مصطفى الكاظمي على خطوات ملموسة وحقيقية لتحجيم نفوذ الميليشيات و السلاح المنفلت لطمأنة المواطنين و تشجيعهم على المشاركة السياسة بغية تحقيق التغيير السياسي المنشود عن طريق صناديق الاقتراع ، بالعكس تماماً كانت الإجراءات الحكومية شكلية و يقتصر على الجانب الإعلامي لكسب تعاطف المواطنين و إقناعهم بوجود التغيير دون ان يتجاوز هذا التأثير المجال الإعلامي ويصل إلى ارض الواقع .

بالإضافة إلى ذلك، يبدو ان هناك حملة ممنهجة لربط الانتخابات المبكرة بمطالب حراك تشرين، ومحاولة لتصغير مطالب ثورة تشرين و حصرها “بالانتخابات المبكرة ” بينما من أبرز مطالب الثورة هي محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين و معاقبة حيتان الفساد و الكشف عن الطرف الثالث والميليشيات و استيراد الأموال المنهوبة و العديد من المطالب التي لم يتم تحقيق أي مطلب من هذه المطالب.

لا جدوى للانتخابات في ظل السلاح ، والانتخابات التي تجري في ظل البيئة الملوثة الحالية لا تعدو الان عن كونها عملية شكلية للتغطية على الحكم الميليشياوي وتغليف حكم العصابات والمافيا بغلاف ديمقراطي مدني وليست عملية حقيقية تعكس إرادة الشعب و توجهاته وتؤدي إلى تغييرات ملموسة تحقق رغبات العراقيين .

مقالات متعلقة