تقرير
"الميثاق: يفتح ملف الأموال العراقية المهربة إلى الخارج"
- أحزاب متنفذه وميليشيات ترفض استرداد الأموال المهربة وتحمي المتورطين في سرقتها.
- 500 مليار دولار حجم الأموال المهربة والطبقة السياسية لا تصنف سرقة موارد الدولة كحالة فساد.
- أحزاب مرتبطة بإيران تتعامل مع المال العام على أنه (مجهول المالك).
- أموال العراقيين نهبت مع رؤية الولي الفقيه الإيراني لأموال الدولة التي لا يحكمها إمام شيعي.
الميثاق| أحمد صبري
المال السائب يشجع على السرقة هكذا هو حال العراق وثرواته التي استحوذت عليها أحزاب وميليشيات هربت نحو 500 مليار دولار إلى خارج العراق منذ احتلاله وحتى الآن، وعلى الرغم من المطالبات باسترجاع أموال العراقيين إلا أن الواقع يشير حالة الفساد تجري باتفاق سياسي لتقاسم ثروات العراق بين أركان الطغمة السياسية الحاكمة.
والسؤال كيف تسترد تلك الثروات من أنياب سراق المال العام وحيتانهم وكشف من يقف إلى جانبهم ويوفر لهم الحماية من المساءلة والملاحقة؟
الجواب يكمن بعدم جدية المطالبات باسترداد الأموال المنهوبة وغلق أبواب سرقتها من قبل الأحزاب المتنفذة والميليشيات التي استغلت هذه القضية في الصراع على السلطة وفي سباق الانتخابات لتضليل الناخبين بوعود غير قابلة للتحقيق.
ويستبعد مراقبون أن تقدم الحكومة الحالية أو أي حكومة أخرى على حسم تلك الملفات واستعادة الأموال المهربة أو القبض على المتورطين الرئيسيين فيها والشواهد على ذلك كثيرة لاسيما هروب وزير الدفاع في أول حكومة لرئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، حازم الشعلان الذي هرب من البلاد ومعه بمليار دولار، وقائمة الوزراء والمسؤولين المتهمين بسرقة الأموال كبيرة من دون جلبهم للعراق وتقديمهم للقضاء باستثناء حالات معينة لذر الرماد في العيون.

ويكشف خبراء بالشأن المالي أن أموال الفساد من خارج الموازنة العامة للبلاد يصل إلى حدود 600 مليار دولار من خلال الاستيلاء على موارد الدولة الداخلية من بينها عقارات الدولة والثروات الطبيعية والمنافذ الحدودية تذهب معظمها إلى الميليشيات المسلحة.
ويعتقد رئيس هيئة الزاهة الأسبق رحيم العكيلي أن "استعادة الأموال المهربة إلى الخارج قضية معقدة لأن العديد من الأسباب المعقدة تقف في طريق الشروع بحسم هذا الملف، أهمها عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة ومؤسسات الدولة بهذا الملف والذي يتطلب إبرام اتفاقات ثنائية مع الدول التي هربت إليها أموال العراق وفتح قنوات التعامل القانوني معها.
ويحدد العكيلي سببين تحرص القوى المتنفذة على حماية المتهمين بالفساد، الأول أن تلك القوى تريد الاستمرار بالسرقات، والثاني يرتبط بالخوف من تهديدات فضح المتهمين للأطراف الأخرى المتورطة، لافتا إلى أن "أدوات الرقابة والقانون غير قادرة على حسم هذه الملفات بسبب النفوذ السياسي الذي يمارس الضغط عليها ويمنعها القيام بواجبها، الأمر الذي أدى إلى استمرار وتغول الفساد".
فضلا عن أن العديد من المسؤولين المتورطين بملفات فساد حمتهم جنسياتهم الأخرى، وقوانينها التي تمنع تسليم المتهمين
وما يعزز هذا الكلام هو حجم الأموال التي هرّبت إلى الخارج على إثر عمليات فساد ممنهجة أديرت طوال السنوات الماضية وما كشفه عضو اللجنة المالية في البرلمان جمال كوجر أن الأرقام الرسمية لحجم الأموال المهربة غير متوافرة، لكن التقديرات تتراوح بين 350 مليار دولار إلى 500 مليار".
ويعزو كوجر أسباب فشل الحكومات المتعاقبة لاسترجاع الأموال المنهوبة ووقف سرقة المال العام إلى أن ما يمنع التحرك لحسم هذا الملف هو كون "الفاعلين السياسيين الذين هربوا تلك الأموال لا يزالون في الحكم ويمثلون الدولة العميقة كاشفا عن أن "كل من يفتح هذا الملف سيكون ضحية كما حصل للعديد ممن حاولوا بشكل جدي متابعة المتورطين بتعريب الأموال إلى الخارج
واستنادا إلى ما تقدم فإن هذا الملف ما يزال رهن الأدراج لأنه ملف سياسي بامتياز وبحاجة لإرادة قوية وآليات حقيقية لأن الحكومات ما بعد الاحتلال أضعف من الأحزاب وهذا المانع الرئيس من حسم هذا الملف.
وبشأن تدويل ملفات الفساد والأموال المهربة، فإن السلطات العراقية حتى الآن غير راغبة في التحرك في هذا الإطار ولا تمتلك إرادة حقيقية، على الرغم من إبداء دول غربية استعدادها للتعاون.
لقد بات واضحا أن التهديدات والضغوط التي تمارس على الأجهزة المعنية بمكافحة الفساد لا حدود لها، لكن الضغوط التي تؤدي إلى نتائج هي تلك التي تمارس على القضاة، الذين لا يتمتعون بحماية أمنية أو وظيفية وأن تمكين أدوات الدولة المعنية بمكافحة الفساد هو المحور الرئيس لحسم تلك الإشكالية، وليس الحلول الاستثنائية بل الحلول الاستراتيجية المؤسساتية التي تتبنى قواعد مستقرة ومستمرة كما يعتقد مختصون.

وفي سياق متصل، يستبعد مراقبون أن تشرع الحكومة بحسم هذا الملف، بخاصة مع كونها عاجزة عن حسم مواجهتها مع الميليشيات الولائية وأن محاولاتها هي لا تعدو سوى كونها محاولات استعراضية لإيهام الرأي العام؛ لأن الإرادة السياسية لا تبدو متوافرة لدى الحكومة الحالية في حسم تلك الملفات كون القوى السياسية لن تسمح بفتح ملفات الفساد لأن الجميع متورط بها، فضلاً عن أن العرف السياسي القائم لا يصنف الهيمنة على موارد الدولة كفساد.
والمفارقة في ملف الفساد والأموال المهربة يكمن في أن المعادلة القائمة في العراق هو أن ما يعد فساداً تعتبره الطبقة السياسية مغانم وحقوقاً للمشاركة السياسية، لأن العملية السياسية برمتها قائمة على أساس توزيع المناصب وتقاسم الاقتصاد الريعي وموارده في العراق.
من جانبها بينت مصادر مالية مستقلة أن أحزابا نافذه وشخصيات حزبية وميليشيات مسلحة، متورطة بالفساد وتهريب الأموال وأن مجموع إيرادات العراق خلال الـ 17 الماضية بلغت 1087 مليار دولار وتشكل الأموال المهربة خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال 32 بالمائة من مجموع الإيرادات التي حققها العراق خلال 17 سنة.
ووفقا لهؤلاء فان معظم دول العالم ترفض إعادة الأموال المودعة في بنوكها أو تلك التي تحولت إلى عقارات وشركات ومصارف لأنها مسجلة بأسماء أشخاص بعضهم يحملون جنسيات تلك البلدان؛ فضلا عن أن تلك الأموال تحقق أرباحا مجزية للبلدان المودعة كاشفين عن وجود مزارع للشاي والرز والتبغ يمتلكها العراق في فيتنام وسنغافورة، إلا أن تلك المزارع تم بيعها من قبل سياسيين فاسدين بطريقة غير قانونية تتخللها عمليات تزوير وتلاعب في المستندات.
وكشف رجل الدين والباحث العراقي رحيم أبو رغيف عن وجود أحزاب شيعية تتعامل مع المال العام على أنه (مجهول المالك).
وقال في تصريح صحفي إن بعض الأحزاب الشيعية تعد أموال الدولة التي لا يحكمها الإمام الشيعي أو الفقيه الذي له صلاحيات الإمام أموالا "مجهولة المالك" وبالتالي فإن فلسفة تلك الأحزاب تبيح لها السيطرة والاستحواذ على تلك الأموال بعد إعطاء خمسها لرجل الدين أو الفقيه مبينا أن الكثير من الأموال في العراق نهبت وفق هذه الرؤية التي تتطابق تماما مع رؤية الولي الفقيه الإيراني لأموال الدولة التي لا يحكمها إمام شيعي.
